الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 الزوبعة المصطنعة حول المسلسل التلفزيوني «فارس بلا جواد» تعرّي فضيحتين متناقضتين في وقت واحد. على قدر ما تكشف الزوبعة الغطرسة الأميركية على قدر ما تفضح البؤس العربي. الطلب الأميركي المسبّق بوقف المسلسل الذي لم يبدأ عرضه بعد يشكل امتداداً لهيمنة الولايات المتحدة على أقدار المنطقة من جهة تبدو ـ للوهلة الأولى ـ مغايرة للمألوف. واشنطن لا تكتفي بإدارة شئون العرب السياسية على هواها والاستئثار بخيراتهم الاقتصادية والانتشار العسكري حيث تشاء في منطقتهم. المطالبة بالغاء عرض المسلسل المصري ـ بغض النظر عن مضمونه ـ تمثل معركة جديدة على الجبهة الثقافية العربية. الجبهة نفسها ليست بالجديدة إذ ظلت مفتوحة وتشهد معارك عديدة وتشهد بالفعل انتصارات أميركية على حساب العرب. الجديد فقط ربما في المباشرة التي تبلغ حد البجاحة في طلب الالغاء المكشوف. حتى في هذه المعركة لا تبرر الادارة الأميركية حربها بالدفاع عن مصالحها أو بزعم ان المسلسل يمس صورتها. ما هو أدهى وأمر ان أميركا تثير زوبعتها التلفزيونية بالوكالة عن اسرائيل. هكذا تبدو معركة «فارس بلا جواد» مشهداً من مسلسل الموقف الأميركي المساند لاسرائيل في دراما عدوانها على الحقوق والأراضي العربية. كما ان معركة المسلسل التلفزيوني ليست سوى حلقة على صعيد جبهة الحرب الثقافية التي حققت أميركا في خضمها انتصارات عديدة. ربما لم نعر الأمر الأهمية المستحقة، ذلك اننا مارسنا الاستسلام الذليل لحرب هادئة تشنها أميركا على نهج النفس الطويل على هذه الجبهة ونجحت في افساد ذوق جيل بأكمله ـ إن لم يكن أجيالاً ـ فغيرت هويته الثقافية بما يسمع ويشاهد ويلبس ويأكل والى ما يطمع أو يطمح. لا تحتاج الهزيمة للابانة والتدليل، فالثقافة الأميركية تتغلغل نمطاً معيشياً على امتداد الوطن العربي، كل ينهل منها حسب قدرته حتى صار الأنموذج الأميركي هو الأكثر انتشاراً بدءاً من صخب الموسيقى مروراً بنجم السينما الذي لا يقهر عبوراً بالجينز وما شاكله وتفضيلاً بالهامبورغر والهوت دوغ ومتابعة لل«سي ان ان». قد لا يأتي حين من الدهر العربي يعتبره المؤرخون أكثر انحطاطاً من هذا الزمن المعاصر، مقابل هذه الهيمنة الصارخة والمتوغلة في تفاصيل حياتنا، يجيء رد الفعل العربي عجزاً وبؤساً. من المؤكد ان الباحثين سينقبون كثيراً لتقصي أسباب هذا العجز الفادح والبؤس العربي لدى أمة تملك من مصادر الثروة ما يعينها على النهوض ولو قليلاً في وجه هذه الهيمنة العدائية. الحديث عن مصادر الثروة لا يقتصر على الثراء المادي وهو عنصر غالب وحاسم في المواجهة، غير ان الثروة العربية تستند الى قواعد بالغة الخصوبة، مما يعين الأمة على المواجهة الشرسة ورفض الاستسلام، من ذلك الثراء تاريخ ثر بالمسئولية والاعتداد بالهوية والكرامة وأرض تمثل قلب العالم ورسالة عظيمة وكثافة عددية وعدة من العتاد المخزون. رغم التعددية التي تطبع خارطة المنطقة إلا انها تفتقر الى التباين الذي يمكن أن يفرز حواراً تلقائياً أو يفضي الى تصادم طبيعي، بحيث يكون البقاء فيه للأصلح. بما ان «فارس بلا جواد» لم يعرض بعد، فإن الحكم عليه يصبح ضرباً من الرهان الذي يفتقد الموضوعية. في ظل حالة البؤس السائدة لا يملك المرء من أسباب الثقة ما يحرضه على التفاؤل لجهة عمل مصادم. ثمة حالة استثنائية دائماً لكل قاعدة فقط. ربما يحاجج البعض بأن أجمل ابداعاتنا برزت في فترات الانكسار ولا نريد اجترار مصطلح «الانحطاط» لذاته. في حقبة الستينيات كانت هناك ألوان متباينة لأنظمة عربية بلغ الأمر بها الصدام في أشكال متفاوتة ولم يرق الى الحوار غير ان ذلك الصدام أفرز حالة من التوقد في الاحساس العربي. كانت هناك مرجعيات لكل فريق، وصوت لكل تيار وكان الحفاظ على الهوية ممارسة يقظة على الأرض. كان الثراء حقيقياً ومتنوعاً. حتى حين تعرضنا للهزيمة غالبناها بكبرياء واعتبرناها نكسة رفضاً للاملاءات المحتملة. مع ممارسة الهرولة باتجاه العدو بدأنا نتجرد من أسباب ثرائنا الحقيقي تحت مظلة ما أسميناه بالانفتاح وكسر الحواجز الوهمية فشرعنا أبوابنا للشروط. رياح الانفتاح حملتنا الى بحار البؤس بدلاً عن مرافيء الأمان. فيالبؤس الثروة. كولن باول يعدنا ـ بل يهددنا ـ برياح أكثر شراسة تعيد رسم خارطة المنطقة. ورقة باول المسماة «دمقرطة المنطقة» ليست سوى خطة لإعادة استقلال ثروات المنطقة العربية واخضاعها وفق رؤية أميركية طويلة الأمد. ورقة باول تستوجب هبة تتجاوز الانشغال بالزوبعة المصطنعة حول «فارس بلا جواد». فمن يتأمل الورقة الأميركية جيداً يجد نفسه أمام «جواد بلا فارس» في زمن أصبح بطله المكوجي الذي يكره اسرائيل. في ضوء هذه الحقيقة يمكن استيعاب الموقف الليبي بالانسلاخ عن الجامعة واستضافة مسابقة ملكات الجمال. انه ضرب من الهروب الى الأمام باتجاه أميركا.