الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 تستوقفني كثيراً صور الأرامل الغربيات عندما يظهرن في الصحف او التلفزيون وهن يتلقين التعازي في أزواجهن الذين قتلتهم أيادي الغدر، اذ اجد نفسي مدهوشة وانا اتفحص التعابير الهادئة والابتسامة المرسومة على وجوههن اثناء استقبالهن للمعزين او حديثهن لمراسلي الصحف والتلفزيون سيما اذا ما كان الزوج المغتال شخصية معروفة او دبلوماسياً رفيع المستوى، ما يجعل الاضواء مسلطة عليهن في ذروة الفاجعة وهي الفترة التي يفترض ان تكون فيها المرأة التي ترملت للتو حزينة ومصدومة إلى حد بالغ، فعلى سبيل المثال أرملة الدبلوماسي الأميركي لورانس فولي الذي قتل مؤخراً في عمان على يد مجهول والتي نشرت لها منذ بضعة ايام صور وهي تتلقى التعازي من الملك عبدالله الثاني وعقيلته الملكة رانيا في مبنى السفارة الاميركية تثير الاستغراب، فقد بدت في الصورة في غاية الهدوء والاتزان وأبعد ما تكون عن منظر امرأة رأت بأم عينيها زوجها الذي قاسمها الحياة ما يقارب النصف قرن وهو مضرج بدمائه وملقى أمام عتبة باب منزلها جثة هامدة. ولو كان الزوج قد مات ميتة طبيعية او نتيجة مرض طويل لافترضنا مثلاً ان ارملته تؤمن ان الموت حق علينا لا راد له، لكن الرجل مات مصروعاً وبشكل فجائي وهو ما يستحيل معه ان تنفرج الاسارير بالطريقة التي ارتسمت على وجه أرملته. وهذا الامر لاحظته عدة مرات خلال العام الجاري الذي تخللته الكثير من حوادث القتل التي ارتكبها بعض السفهاء ممن يدعون رفع راية الإسلام، ومازلت اتذكر جيداً منظر أرملة المبشر المسيحي الأميركي مارتن جارسيا التي بقيت معه في الأسر 376 يوماً وقتل زوجها بينما نجت هي في كمين اشتبكت فيه قوات من الجيش مع أفراد من جماعة ابو سياف، ظهرت في الصور وهي تغادر مانيلا عائدة الى بلادها وهي ترتدي بلوزة حمراء وتضع أحمر الشفاه وتلوح للمصورين بابتسامة عريضة. وهذه الأرملة التي انقذها زوجها من الموت بالارتماء فوقها عندما بدأت عملية اطلاق الرصاص وتلقى الرصاصات بدلاً عنها صرحت بأنها كانت سعيدة لوجودها مع زوجها عندما تمت العملية، وبررت الرئيسة الفلبينية جلوريا أوريو رباطة جأشها في تلك المحنة بالقول بأنها شخصية رائعة تأخذ المسألة وتقيمها من منظور الهي. اما ماريان الزوجة الشابة الفرنسية للصحفي الأميركي المخطوف دانييل بيرل، فقد كانت اثناء فترة احتجاز زوجها تتحدث للصحفيين والابتسامة لا تفارق شفتيها، ولحظتها كنت اتصور انها ربما تكون متفائلة بنهاية سعيدة لمحنة زوجها ولكن حتى بعد مقتل هذا الاخير بطريقة بشعة على يد خاطفيه ظهرت اثناء لقائها بعدد من الشخصيات السياسية المهمة التي ذهبت لتعزيتها وهي ميتة من الضحك. ما يحيرني هو أسلوب تعامل المرأة الغربية مع الفاجعة وهو ما يقودني للمقارنة بينها وبين الأرملة العربية او الشرقية بصفة عامة. فلو كان المغدور به دبلوماسياً عربياً هل يمكن ان نرى أرملته تبتسم؟ الارجح اننا سنجدها متشحة بالسواد وتبكي بحرقة ان لم تكن تصرخ وتلطم وتشد شعرها. وهناك من الأرامل من لا يقوين على الوقوف على أرجلهن ويتلقين العزاء وهن راقدات في السرير وتحت تأثير المهدئات احيانا، وحتى من وجدن بموت الزوج الخلاص بعد ان عشن معه حياة الشقاء يخفين فرحتهن ويتظاهرن بالحزن على الأقل أمام الناس. ترى ما سر كل هذا الكم العجيب من التفاؤل والاقبال على الحياة الموجود لدى الأرملة الغربية؟ وهل عادة النحيب واللطم والندب متأصلة فقط في الشعوب الشرقية وتبلغ ذروتها لدى الارملة الهندوسية التي تحرق مع جثة زوجها؟! هل لهذا الأمر صلة بقدرة المرأة الغربية مثلا على استبدال شريك حياتها بالسرعة التي تبدل فيها ملابسها في حين ان حياة المرأة الشرقية تكاد تنتهي برحيل زوجها عن الدنيا؟ لا أتهم الغربيات ببرود المشاعر أو انعدام الوفاء ولكنها مجرد تساؤلات دارت في خلدي.