السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 سيبقى القلم أقوى وأشرس وأفتك من القنبلة والمدفع، وستبقى الثقافة المرسلة هي السهم الذي لا يصده ترس مهما بلغت صلابته، ولهذا تخشى الشعوب الغزو الثقافي اكثر من غزو العسكر، لان الاول يتغلغل ويبقى ويؤثر والثاني تأثيره زائل بزواله.. هذه الحقيقة يعرفها ويدركها عدونا جيدا، لهذا بدأها قبلنا، وبدأها مرافقة لغزوه العسكري ولا يستطيع التخلي عنها كسلاح اول مهما بلغ سلاحه الثاني من تطور في التقانة والحداثة.. اميركا لا تخشى بنادقنا، لكنها تخشى فكرنا، والصهيونية لا تخشانا ولكن تخشى من يفضح امرها ويكشف زيفها.. هذا ما جرني اليه خبر طلب الولايات المتحدة من مصر وحكومات عربية أخرى ألا تذيع محطات التلفزيون الحكومية المسلسل المصري «فارس بلا جواد» للنجم الملتزم محمد صبحي، بحجة انه معاد للسامية، على الرغم من انه يفضح الصهيونية واستنادها الى اشرس بروتوكولات وضعها جمع من أهل الشر منهم للسيطرة على العالم وابتلاع ما ليس لهم بالقتل والسلب والنهب وممارسة أشنع الوسائل للوصول الى ذلك الهدف.. لأن المسلسل كتبه قلم، فانه يصبح هكذا اشرس من دبابة او مدفع تصوب نحو العدو الواضح، ولان هذا النوع من الثقافة لا يمكن اسقاطه بطائرة او صاروخ موجه يصبح خطره كبيرا.. في هذا الاطار ايضا، وعلى الطرف الاخر كان العرض المسرحي السعودي «الدخول بالملابس الرسمية» الذي عرض ضمن مسابقة مهرجان الاردن المسرحي العاشر امس الاول، يفضح ويكشف برمزية ذكية وبالغة كيف تسلب حرية الانسان الخارجية والداخلية تلك الأيادي الخفية، وكيف تغسل الادمغة وتمرر الألاعيب تحت الشعارات الرنانة والطنانة، ولان العرض جاء مشرحا للواقع العربي، وفاضحا للآيادي التي تلعب بمصيره فقد صفق له الجمهور لقوته في ايصال فكرته.. هذا العرض لمؤلف اجنبي توازى ما طرحه قلمه مع جملة هموم بشرية، الآن قلمه لبى الهاجس الانساني وتجرد، فقد خلص لعذابات الانسانية ولم يتأدلج بفكر او قومية ولهذا صارت لغته ومسرحيته مناسبة لكل زمان ومكان.. القلم اصعب من طلقة المدفع ومن توجيه صاروخ بالليزر او الاقمار الاصطناعية، لهذا.. حينما يرمي القلم هدفه يرميه بدقة بالغة، والهدف الذي يصاب لا يمكن ترميمه مرة اخرى لاستخدام اخر.. مناسبة هذا كله تعود الى الاجتماع الاخير الذي عقده مسئولو الثقافة العرب في عمان قبل اسبوع تقريبا، وحينما قرروا وأقروا جميعا ان الثقافة اليوم هي السلاح المطلوب في ظل كوارث الحاضر.. وان هذه الامة ان لم ينهض مثقفوها للذود عنها فانها ستلاقي مصيرا مرا وكارثة لن نتحملها.. والخلاصة.. انهم يصنعون اسلحة، كل انواع الاسلحة، ونحن لا نصنع أبسطها، لكننا في الحقيقة نمتلك ما هو الاخطر والاجدى.. سلاح يبدو اننا تناسيناه في مكان قصي وما عدنا نتوجه اليه.. حاربوا بالقلم، بالابداع، بالتنوير، بالفضح، بالكشف، بالسبر، بالاختراق لنحقق على الاقل ذلك التوازن المطلوب..