السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 معظم الشباب الذين ينهون دراستهم الجامعية، ويصبحون قاب قوسين أو ادنى من بوابات العمل والوظيفة يعانون من حالة نفسية معينة، ربما لا يتحدثون عنها بشكل صريح او مباشر لكنها تحتاج إلى مناقشة، ذلك انهم وبعد اكثر من 16 عاماً قضوها على مقاعد الدراسة باعتبارهم طلاباً كل عالمهم هو المدرسة او الجامعة واصدقاء الدراسة وعدم الشعور بالمسئولية تجاه حياتهم ومتطلباتهم، هؤلاء يجدون انفسهم ذات صباح وقد انتهت كل هذه السنوات ولم يعد امامهم سوى ان يصبحوا اشخاصاً مستقلين اقتصاديا، وربما يحملون مسئولية اشخاص آخرين في الاسرة. كثيرون مروا بهذه المرحلة وتجاوزوها بفعل التربية الصارمة التي يخضع لها افراد المجتمع احياناً، لكن كثيرين ايضاً مروا بمعاناة من نوع ما في بداية مشوارهم مع العمل او الوظيفة، لانهم لم يؤهلوا نفسياً او جسدياً لهذا الانتقال المفاجيء. وعن نفسي فقد مررت فعلاً بهذه الحالة في الايام الاولى من دخولي عالم الوظيفة بعد التخرج، لقد احسست بشيء من الغربة في المكان، وبكثير من الضيق والتخوف، وقررت ان اترك العمل في اليوم الثالث ربما، لانني كنت اشعر بأنني لن استطيع الاستمرار، وبأنني غير مؤهلة للعمل وبأنني سأفشل وبأنني... وطبعا لم يحدث شيء من ذلك، ومرت الأزمة الصغيرة بسلام كما مرت ازمات اخرى اكبر منها! هنا في بريطانيا حدثني احد الاساتذة بأن كثيراً ما يحدث للشباب الصغار بعد انتهاء فترة الدراسة شيء من هذه الحالة وقد يصاب بعضهم بالاكتئاب المؤقت لحين مرور الازمة، ولذلك فإن اغلب الشباب في بريطانيا وبعد تخرجهم من الثانوية او الجامعة يقضون سنة كاملة كمسافرين متجولين في انحاء اوروبا والعالم بقليل من الاحتياجات وبعض المال الذي ربما وفروه او اخذوه من ابائهم للاستعانة به في هذا التجوال، انهم يكونون جماعات من الشباب يعرفون بحاملي الحقائب، اولئك الذين شاهدهم كثيرون منا بلا شك في محطات القطارات او الشوارع او المطارات الاوروبية اثناء تجوالنا في عواصم الغرب، هؤلاء ليسوا متسكعين او جماعات بوهيمية، انهم جوالون في انحاء القارة بهدف امتصاص صدمات الحياة، والاستعداد لمراحل اخرى اكثر صعوبة وقسوة واحتياجاً للاستقلال وتحمل المسئولية، ومن اجل ذلك فإنهم يحملون انفسهم مشقة وعناء التجوال وتحمل اعباء السفر وسوء الظروف وقلة المال من اجل اكتساب المزيد من الخبرة والصلابة والاستقلالية، انها نوع من التربية الذاتية تستحق التأمل فعلا. وربما ساعدت نوعية الحياة والثقافة السائدة، ونظرة المجتمع والخدمات المتوفرة وبخاصة شبكة المواصلات العملاقة واستقلالية القرار الفردي، وتشجيع الاسر لابنائها على حرية الحياة وحرية القرار وحرية الحركة، كذلك العروض التي تقدمها بعض المؤسسات والوكالات المعنية بأمور السفر والانتقال وغيرها، كل ذلك شجع على هذه الظاهرة الشبابية في بريطانيا او دول اوروبا، لكنها في النهاية ظاهرة او توجه لا يخلو من الايجابيات وان كان الاستاذ الذي حدثني عنها ابدى عدم موافقته عليها، لانه يرى فيها نوعاً من تكبد المشاق لا داعي له على الاطلاق، فهو يقول اذا رغب ابني في اكتساب شيء من الخبرة وتحمل المسئولية فإن السبل كثيرة في الجوار حيث البرامج المجتمعية والتطوعية فلماذا (البهدلة) على حد تعبيره؟! يبقى ان تجارب البشر في النهاية محطات انسانية فيها من العمق والحكمة ما يستحق التوقف، وليس شرطا ان نقلدها او نطبقها ولكننا على الاقل نتأملها لنزداد علماً ومعرفة فلقد خلق الله الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتعاونوا، ويستفيدوا من بعضهم البعض!.