السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 تحاول الآلة الحديثة في زمن متسارع أخذ يلتهم الثواني والدقائق ان تتفوق على نفسها، فالعالم ينام ويصحو على تطورات مثيرة وعجيبة، فحلم الأمس أصبح اليوم واقعاً معاشاً، وواقع اليوم سيصبح ماضياً يطويه النسيان. هكذا ببساطة وبحكم التفوق الفكري والتكنولوجي المتواصل تنقرض مهن كانت رائجة لتحل محلها أخرى مرهونة بتطور المجتمع الاقتصادي. الغريب والمدهش في هذا الأمر ان الانسان بمبتكراته الحديثة يحاول ان يقلل من تسيده للموقف فيضع الآلة مكانه، ويقف هو مكتوف الايدي متفرجاً على ما سيسفر عنه واقع الحال.. وفي كل مرة تكسب الآلة ويخسر هو مهنته، ورغم ذلك يجدد المحاولة بشكل مختلف وينجح في مسعاه، وفي المقابل تنجح الآلة أيضاً في ازاحته عن مساحته وميدانه، رغم سيطرته الفكرية وتفوقه الميداني.. وما دمنا نتحدث في الميدان التكنولوجي أتساءل وغيري كثيرون: هل يأتي علينا يوم نجد فيه مهنة الصحافة من المهن البالية القديمة، ونجد الصحافي عملة قديمة يجب وضعها في أحد المتاحف؟! وبشكل أكثر قرباً هل نجد الصحافي الالكتروني الذي بامكانه نقل الاحداث ووصفها بأحاسيس وعواطف البشر؟ يبدو ان التقدم التكنولوجي في هذا الميداني تسارع بشكل مثير، فقد أشارت تقارير صحافية حديثة في هذا الميدان إلى ان المراسل الصحافي لن يحتاج في العصر المعلوماتي ذي الوتيرة المتسارعة إلى دفتر أوراق لتحرير مراسلاته في الميدان، بل سيزود بأفضل النظم والمعدات الالكترونية الصغيرة لتنفيذ مهماته، فالمراسل الالكتروني سيعرف موقعه على الأرض بالاعتماد على نظام التحديد الشامل ويتعرف على آخر الانباء عبر خوذة سمعية وبصرية تظهر على شاشتيها الصغيرتين نصوص الاخبار الجارية فيما يستمع بواسطة سماعات صغيرة إلى الأنباء المتواترة، ويسهل الكمبيوتر المتنقل والهاتف النقال ارسال المعلومات من موقعه نحو النظم الكمبيوترية للصحيفة في أي موقع من العالم. وفي هذا الاطار أذكر ان أحد فناني الخط وجه نداء عبر صفحات الجرائد طالب خلاله ايقاف استخدام الخطوط العجائبية المنتشرة في أجهزة الكمبيوتر نظراً لعدم صحتها فنياً، مشيرا إلى ان هناك تشوهات واخطاء في المنهج يترتب عليها عدم سلامة الكثير من الخطوط المتداولة فنياً. ومن هنا نجد ان صاحب المهنة يحس بمهنته وتفوقها ولذتها وهمومها اليومية رغم سيطرة الآلة بسرعة انجازها وسهولة التعامل معها، إلا انه يظل رغم ذلك عاجزاً أمام تيارها الجارف، فقد أصبحت كثير من المهن والحرف من بقايا الأمس بعد ان توقفت اجبارياً لتقبع في زوايا احد المتاحف أو أمام أعين من يتعاطون التراث ويتفحصونه فقط! ويبدو ان الطفرات التي يشهدها العالم الاقتصادي اليوم تشجع على المضي في ايجاد مهن أخرى بعد تلاشي الكثير من المهن التقليدية، ولا يقتصر ذلك على المجتمعات الاقتصادية الغنية، بل يطال أيضاً المجتمعات الفقيرة التي تسلخ جلدها يومياً في محاولة لاهثة وجادة لمواكبة الدول الاكثر تقدماً وتطوراً ونماءً. المثير ان المبتكرات الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا الخالصة في تشغيلها بدأت تلغي تفاعل الانسان واحساسه بالاشياء، وأصبحت تزود المحيط الخارجي بتفاعلات وأحاسيس آلية. والمثال على ذلك ما ذكرته احدى الشركات في انها ابتكرت شاشات متحركة ضخمة بالامكان وضعها في ملاعب الكرة تعوض مشكلة عدم حضور الجمهور، حيث تقوم تلك الشاشات باستحضار جمهور صناعي يتفاعل مع الكرة الجميلة، فهو يتأوه ويتحسر على الكرات الضائعة، ويعض أصابع الندم على الكرات التي من الواجب ان يكون مصيرها الشباك، وبذلك تجد الفرق ـ كما يقول المصنعون ـ جمهوراً وفياً يشجع الكرة الراقية الجميلة بعيداً عن التعصب المجنون وشغب الملاعب. كل ذلك ونحن نستورد افرازات الآلة الصناعية وما تقوله التكنولوجيا وما تفرضه الشركات. ولا ندري ماذا سنستورد في الايام السريعة المقبلة؟ يبدو اننا سنستورد العواطف ولغة الحب بعد ان انعدمت من قواميس الحياة المعاشة، وبعد ان أصبح انسان هذا الزمن ينام ويصحو على واقع متغير لاهث، واقع آلي لا يعير العواطف والمشاعر الانسانية الدافئة أي اهتمام، واقع لا يقف عند الدموع أو الانهيارات العاطفية، بل يتعداها إلى لغة «البيزنيس» والمصلحة في دوامة متواصلة تكاد لا تقف عند نقطة أو حرف أو جملة ثائرة. ومن هنا تصبح القصة الرومانسية الحارقة حدثاً مهماً، بعد ان كانت واقعاً معاشاً، ويصبح أبطالها فرساناً في زمن لا يعترف بالبطولات التي تتحول إلى أساطير، ولكنهم فرسان الحدث الخبري الذي يشتعل إلى حد الحريق وينطفئ هكذا دون أسباب! وفي واقع كهذا تتسيده المصلحة والعلاقات المشتركة يقفز سؤال حائر: هل انتهى زمن الرومانسية، وإلى أي حد يبقى انسان هذا الزمن مقاوماً لهذا الواقع المادي المسيطر على تفاصيله الداخلية؟ كنا وحتى سنوات ليست ببعيدة ننبض بتلقائية المواقف والمشاعر والدواخل فترتسم على وجوهنا صافية دون زيف أو مساحيق أو أقنعة، وتنساب متدفقة، عفوية، لا ترتدي معطف المصلحة أو عباءة النفاق. وقبلنا كانت هناك ملايين الحكايات العربية الدافئة والقصص الساحرة وآلاف من الكتب والأوراق وملايين من القصائد والاشعار النابضة التي يقف أمامها انسان اليوم مذهولاً لشفافيتها وعمقها وسلاستها وعذوبتها. يبدو اننا في هذا الزمن الآلي الذي يدفعنا دفعاً لاستيراد كل شيء سيأتينا اليوم الذي سنجد فيه كل شيء معلباً بعد ان عُلبت النفوس، فلا ضير ان تقوم بشراء قليل من الحب والعشق والعواطف من على رفوف السوبر ماركت وتخلطها جميعها لتصبح قيساً أو روميو.. لِمَ لا ونحن نعيش زمن العواطف المعلبة! Dhaen66@hotmail.com