السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 المعركة الدبلوماسية الفاصلة المستعرة لمدى شهرين على صعيد مجلس الامن الدولي يبدو انها على وشك النهاية، وعندما ينجلي الغبار فإن ما نتوقع ان نراه غالبا هو دولة عظمى اميركية حاقت بها الهزيمة. هكذا تنبيء الشواهد بما في ذلك قراءة لما بين سطور احدث تصريحات وزير الخارجية الاميركية. ولان تتواصل المعركة لمدى اسبوعين او اكثر بين الولايات المتحدة «وفي معيتها بريطانيا» من ناحية وفرنسا وروسيا من ناحية اخرى فإن هذا في حد ذاته اوضح مؤشر لانقشاع السطوة الارعابية التي صاحبت التحرك الاميركي المحموم على الصعيد الدولي منذ احداث سبتمبر 2001، لقد تبخرت تلك العاصفة الهستيرية فاستعادت القوى الدولية الاخرى رباطة الجأش والشجاعة العقلانية بحيث ان العراق صار المعادل المضاد لافغانستان. في مدى ايام معدودة استطاعت ادارة بوش ومن ورائها رياح سبتمبر الاصطناعية ان تحشد الدول النافذة الاعضاء في مجلس الامن الدولي لتشن الولايات المتحدة حرباً شاملة على افغانستان باسم «الشرعية الدولية» اما الآن فإنها ظلت تناضل لحشد دعم مماثل لضرب العراق دون جدوى حتى بعد مرور شهرين متتابعين على المعركة الدبلوماسية التي ابتدرتها. المعركة الدبلوماسية تبلورت حول نقطة واحدة: هل يصدر مجلس الآن قراراَ بشأن مسألة اسلحة الدمار الشامل المتعلقة بالعراق تنطوي صياغته على تفويض ضمني للولايات المتحدة بأن تنفرد بالتصرف ازاء العراق بغطاء دولي لتشن حرباً ضارية ضد هذه الدولة العربية؟ هذا بالطبع ما تريده ادارة بوش، وقد درجت الولايات المتحدة تحت ادارات متعاقبة على التعامل مع مجلس الامن الدولي في مثل هذه الاحوال وكأنه امتداد لمؤسسة السلطة الاميركية: يؤمر فيطيع لكن هذه المرة اختلف الامر، فقد بلغت المعارضة المكشوفة الشرسة بزعامة فرنسا وروسيا ان كلا من هاتين القوتين هددت باستخدام حق «الفيتو» اذا دعا الحال لالزام واشنطن حدودها اذا سولت لها نفسها المضي في الاستهزاء بالاجماع الدولي. والسؤال الكبير الذي تبلور اخيراً من خلال الشد والجذب هو: هل يكتفي مجلس الامن بمشروع قرار واحد كما تريد الولايات المتحدة ام ينبغي ان يعالج المجلس قضية العراق على مرحلتين متتابعتين كما تريد كل من فرنسا وروسيا؟ ان ضرب العراق ليس من وجهة نظر ادارة بوش هدفاً في حد ذاته. فالمقصود من وراء الهجوم الاميركي الكاسح على العراق هو خلق وضع جديد من الارتباك الدولي تصبح في غمرته مسألة التفتيش على اسلحة العراق في «خبر كان». آخر ما تريده ادارة بوش هو استئناف عملية التفتيش الدولي في العراق لان واشنطن تعلم يقينا اكثر من أي طرف آخر ان العراق لم يعد يملك شيئاً من اسلحة الدمار الشامل، ما تريده واشنطن اذن من الضربة العسكرية هو استباق عملية التفتيش بغرض اجهاضها مقدما وإلا فإن فرق التفتيش سوف تتقدم عند نهاية مهمتها في غضون بضعة شهور بتقرير الى مجلس الامن يحمل تبرئة للعراق، والتبرئة سوف تكون تمهيداً لالغاء العقوبات المفروضة على العراق. وهذه هي النتيجة النهائية التي تخشى منها واشنطن. من هنا نفهم منطق المعارضة الفرنسية الروسية.. واصرار القوتين على معالجة من مرحلتين: أولا يصدر قرار باستئناف عملية التفتيش، فاذا ثبت ان السلطات العراقية ترفض التعاون مع فرق التفتيش او تعوق عملها فإن مجلس الامن يجتمع لمرة ثانية، لا ليصدر قراراً تلقائيا يؤيد شن حرب على العراق، وانما لينظر فيما يمكن عمله، وفقا للاقتراح الفرنسي الروسي، فقد يكون هذا العمل اجراء آخر ليس ذا طبيعة عسكرية. هذا بطبيعة الحال لا يلائم اجندة واشنطن العدوانية لكنها في وجه تعاظم المعارضة الفرنسية الروسية اضطرت للدخول في مساومات، وهكذا قبلت واشنطن الآن مبدأ «المعالجة على مرحلتين» لكن التنازل الذي ابدته في هذه النقطة تحاول الآن التعويض عنه باقتراح صياغات متشددة تنطوي على حيل لفظية مبهمة يمكن ان تكون قابلة لأكثر من تفسير في آن معا. وبرفض فرنسي وروسي عنيد لهذه الحيل اللفظية تكون المعركة قد بلغت ذروتها، والايام القلائل المقبلة سوف تكون الفيصل لأن القضية سوف تعرض على التصويت. لقد دنت النهاية، فإما تتصلب واشنطن، وبالتالي تعرض نفسها للفيتو الفرنسي او الروسي.. واما ان تتنازل تنازلا جوهرياً فتعرض نفسها للمهانة امام شعبها.. وامام العالم.. وامام العراق.