السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 على ما تبدو عليه الشواهد أن اريتريا باتت مهيأة للقيام بدور «حصان طروادة» لحساب المخططات الأميركية الاسرائيلية الرامية لبسط النفوذ والهيمنة على مقدرات القرن الافريقي، كمنطلق للوثوب الى القارة السوداء، وأن المطلوب من اريتريا في المرحلة الافتتاحية إثارة الاضطرابات والقلاقل في دول المنطقة إيذانا باستدعاء التدخلات الأجنبية المشبوهة و.. ذلك على وجه التحديد كان محور الهجوم المضاد الذي تبنته مؤخرا قمة صنعاء، التي جمعت بين الرئيس اليمني علي عبدالله صالح والرئيس السوداني عمر البشير وملس زيناوي رئيس حكومة أثيوبيا. ومن المسلم به أن الدول الثلاث تربطها باريتريا علاقات الجوار الجغرافي ووشائج ومصالح أزلية وتاريخ مشترك، فضلا عن أوثق التحالفات النضالية التي كرست استقلالها في القرن العشرين. فعلى امتداد ما يزيد على ربع قرن ظل السودان واليمن معبرا للسلاح والدعم المادي والسياسي للثورة الأريترية في مواجهة الاستعمار الأثيوبي إبان حكم الامبراطور هيلا سلاسي، كذلك لولا مساندة المعارضة الأثيوبية للجبهة الشعبية لتحرير اريتريا بزعامة أسياسي أفورقي، وتحالف الجانبين في مواجهة نظام مانجستو هيلاماريام، لما كان بوسع اريتريا الانسلاخ من أثيوبيا، وربما تأخر اعلان استقلالها سنوات، ولعله من هنا كانت المفاجأة غير المتوقعة حين بادرت جمهورية اريتريا الفتية الى نكران الجميل، بداية بحرمان أثيوبيا من استخدام ميناءي عصب ومصوع كونها تفتقر لمنفذ على البحر الأحمر، ثم شن الحرب ضدها بدعوى الترسيم غير العادل للحدود المشتركة، فكان من الطبيعي قطع العلاقات وسقوط آلاف القتلى من الجانبين واستنزاف موارد البلدين دون طائل، فيما سولت اريتريا لنفسها احتلال جزيرة «حنيش» الكبرى اليمنية، لكن الرئيس علي عبدالله صالح رفض الضغوط الشعبية والحزبية التي حاولت تحريضه على استعادتها بالقوة، وفضل اللجوء الى التحكيم الدولي الذي أقر بتبعية الجزيرة للسيادة اليمنية، وهكذا حافظ على شفافية العلاقات الشعبية وديمومتها، لكن اريتريا عادت مجددا الى الجور على مياه اليمن الاقليمية والتحرش بالصيادين اليمنيين. كذلك كان حال السودان كما جزاء سنمار، حيث فتحت اريتريا أراضيها ومنابرها الاعلامية للمعارضة السودانية باعتبارها حركة تحرر من نظام الانقاذ، ولا غبار على ذلك في اطار سلطة السيادة وحق اللجوء السياسي، اريتريا قدمت ولا تزال الدعم اللوجيستي لقوات التمرد بزعامة العقيد جون قرنق، والى حد التمكين لها من احتلال مدينة هامشكريب في شرق السودان مؤخرا، ولاشك أنه تطور بالغ الخطورة كونه يذكر بالمخطط الاستعماري القديم الذي تتبناه اريتريا الآن لفصل إقليم كسلا وقيام دولة كسلا الكبرى، وهو ما يفسر إصرار حكومة السودان على تحرير هامشكريب بشكل عاجل رغم الاتفاق في الجولة الثالثة للمفاوضات في ماشاكوس على وقف اطلاق النار مع قوات قرنق، وحيث تدور الآن أشرس المعارك بين الجانبين منذ عام 1994 خاصة وأن الخرطوم أكدت مشاركة قوات أريترية الى جانب قوات الحركة الشعبية. على أن رب ضارة نافعة، فقد كانت قمة صنعاء فرصة سانحة لتذكير اريتريا بثوابت العلاقات المشتركة وخطوطها الحمراء، والولوج الى تنسيق المواقف ازاء مؤتمر المصالحة الصومالية في نيروبي، والتأسيس لشراكة مصيرية في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية. إذن في كل الأحوال تظل عوامل التداخل الديموغرافي العرقي والبعد الثقافي بين القرن الافريقي واليمن تؤكد على حتميات المصير الواحد والأمن القومي المشترك وأن البحر الأحمر لم يكن مانعا، بل كان وسوف يظل وسيلة للتواصل والتحشد لدرء المخاطر، خاصة وقد باتت تطل برأسها من اريتريا! ـ كاتب مصري