السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 هناك اجتهادات وطروحات عديدة للنهوض بالامة العربية. ولكن من ابرزها في نظري تدعيم ثقافتنا العربية وتحديثها بما يناسب المستجدات ويتناغم مع تطورات عصر الانترنت والعولمة والمجتمع المدني وغيرها. وقد اصبح للثقافة في عالمنا المعاصر اهمية متزايدة، حتى أن اليونسكو سبق ان نادت بالفترة الممتدة بين بداية عام 1988 وغاية عام 1997، عقداً دولياً للثقافة. واكثر من ذلك، فانها تختار في كل عام بعض المدن لتكون عاصمة للثقافة. ففي عام 2000 مثلاً، كانت الرياض عاصمة للثقافة العربية، وتلتها الكويت في عام 2001. اما في العام الحالي، فان عمان هي العاصمة المختارة، وفي السنة المقبلة ستعقبها الرباط. كما أن الامم المتحدة، نادت بمدينة بروغ في غرب بلجيكا، عاصمة للثقافة الاوروبية في عام 2002. وكذلك، فان المؤتمر الاسلامي الثالث لوزراء الثقافة كان قد اختار مكة المكرمة عاصمة للثقافة الاسلامية عام 2004، وهذه بعض من الدلائل التي تثبت مدى ما يوليه العالم من أهمية لقضية الثقافة. وبالطبع، فإننا نحن العرب أولى من غيرنا بالعناية بها في ضوء ما نعانيه من قصور كمي ونوعي في كثير من جوانبها، مما يجعلنا في امس الحاجة الى تنميتها وتعميقها وتطويرها، والسير بها نحو العقلنة والموضوعية والتعددية. واحدى الوسائل للوصول الى هذا الهدف الاكثار من الأدبيات التي تتناول بالتحليل والتقويم، ظاهرة الثقافة العربية المعاصرة، بكل ما تتضمنه من شجون وأشجان، وما تحمله من هموم واثقال، وبالتالي طرق تحديث هذه الثقافة التي تمثل كل ما يتعلمه الانسان في حياته، ويحفظه في ذاكرته، ويستخدمه استخداما واعيا ورشيداً في سبيل التطور الانساني والتقدم الحضاري. وهناك جانبان للثقافة، ونقصد بذلك الثقافة الكمية والثقافة النوعية، اما الاولى، فتتعلق بكمية المعلومات والمعارف التي يحوزها الانسان، بينما تتربط الثانية بمدى حسن استخدام هذه المعلومات وكيفية استثمارها. روح الثقافة وهذا يقودنا الى مفهوم المثقف الحقيقي، فالثقافة ليست مجرد كتلة من المعلومات الجامدة، أو لوائح من الارقام والبيانات، بل هي روح وحياة ووعي، والمثقف ليس هو الذي يملك أكبر قدر من المعلومات، وان كان هذا امرا مرغوباً فيه وشرطا ضروريا، بل انه من يتمتع بالقدرة على التحليل السليم والتقويم الصحيح والموازنة الحكيمة، ويحسن استخدام المعلومات وتوجيهها نحو فائدة نفسه وامته. ويحق لنا الآن بالطبع ان نتساءل عن فائدة كل نوع من الثقافة، وايها اكثر ضرورة ومنفعة من غيرها، وفي الحقيقة فانها جميعها متكاملة، ولا يمكن الاستغناء عن اي منها، وهي بمثابة احجار في صرح الثقافة الشامخ، او حلقات في سلسلتها اللامتناهية ولكل منها فوائدها واستخداماتها ولا يجوز تفضيل بعضها على البعض الآخر، ومن المعروف ان للثقافة انواعا واشكالاً ومظاهر متعددة. ويمكننا الحديث في هذا الجال عن ثقافة عامة تشمل كل المعارف من علم وطب وتربية وتاريخ وجغرافية ومجتمع سياسة واعلام وغيرها، وعلى ثقافة متخصصة تتضمن وجها واحدا فقط من وجوه الثقافة، كالثقافة العلمية او الثقافية الادبية أو غيرهما. وهناك ايضا ثقافة تخصص التخصص، اي التثقف في فرع متفرع عن أحد مجالات المعرفة. فالثقافة النفطية مثلا تتفرع عن الثقافة العلمية، والثقافة الاذاعية تتفرع عن الثقافة الاعلامية.. وهكذا. ويمكننا ايضا، القول بوجود ثقافتين الاولى كلاسيكية تشمل المعارف التقليدية، كالتراث والادب والانسانيات وغيرها، والثانية حديثة تضم الميادين التي نشأت، أو ازداد الاهتمام بها، خلال العقد أو السنوات الاخيرة، مثل حقول المستقبلية والديمقراطية والسلام وحقوق الانسان والبيئة والسكان وتقنيات الليزر والاستشعار عن بعد والجراحة بالتنظير والكمبيوتر والالكترونيات وغير ذلك. وبامكاننا ايضا، ان نقسم الثقافة الى ثقافة نظرية وثقافة عملية، فالاولى تتضمن الاساسيات والمباديء التي تشكل لبنات الثقافة، بينما تتعلق الثانية بالتطبيق العملي للمعلومات والعلم على ارض الواقع، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالتدريب. ومن الامثلة عليها: الثقافة المهنية والثقافة التكنولوجية والثقافة الطبية الجراحية. وهناك اخيرا الثقافة الأصلية التي تعتمد على التراث والابداع المحلي، والثقافة المترجمة التي ترتشف من ينابيع المعرفة الاجنبية وعلومها وآدابها. ولكن على الرغم من تكامل اشكال الثقافة، فان العرب اليوم، بحكم ظروفهم الراهنة واوضاعهم السائدة، يحتاجون الى بعض انواعها اكثر من حاجتهم الى غيرها، فهم بحاجة الى الثقافة الحديثة في مجالات كالبيئة والاقمار الاصطناعية وعلوم المستقبل والمعلوماتية، مثلا اكثر من الثقافة التقليدية، والى النظرية، والى الثقافة العلمية اكثر من الادبية، اما في حقل الثقافة المترجمة، فان حاجتنا اليها في كثير من الميادين العلمية والطبية والتقانية المتطورة، قد تكون اكثر من حاجاتنا الى الثقافة الاصيلة، وان كان لهذه الثقافة الاخيرة، اهمية بالغة، وهذا الحال يوجب علينا بذل جهود اضافية لتشجيع الترجمة والمترجمين ودعم المؤسسات العاملة في هذا المجال كما ينبغي التوسع في اصدار المجلات التي تعنى بالترجمة العلمية بشكل خاص. وبالطبع فان حاجتنا الى الثقافة الأصيلة اشد في المجالات التي ترتبط بصميم بيئتنا المحلية مثل التراث والادب والمجتمع والفنون الشعبية والتاريخ العربي الاسلامي وغيرها. وإذا كان العائق المالي اهم ما يعوق التربية عن اداء دورها على خير وجه، فإن هناك الكثير مما يعرقل دور الصحافة العربية في التثقيف، كغلاء اسعار الورق، وما يتبعه من ارتفاع مقابل في اسعار الدوريات، مما يحد من قدرة الكثيرين من ذوي الدخل المحدود، على شراء الصحف والمجلات، ويشكل ضغطا شديداً على المجالات الخاصة التي لا تستطيع الصمود امام هذه الاوضاع، ومن العوامل الاخرى المعروفة صعوبة تنقل الصحف والمجلات بين الاقطار العربية وغير ذلك، مما لا يعد ولا يحصى من العوائق. وبالاضافة الى التربية والاعلام، فان الكتاب يعد مصدراً اساسيا من مصادر الثقافة، فضلاً عن كون الكتاب المدرسي أداة من ادوات التربية، ولكن للكتاب العربي، كما نعرف، مشكلاته التي لا حدود لها، كغلاء اسعاره، وصعوبة تنقله من بلد عربي الى آخر، وانصراف الكثيرين من الناس عن الكلمة المكتوبة، بسبب طغيان الوسائل الثقافية الحديثة المثيرة، مثل القنوات الفضائية، والانترنت. وهكذا، فان موضوع الثقافة كما نعلم ، واسع ومتشعب ومترامي الاطراف. وقد اخترنا هنا بعضا من جوانبه، واقتصرنا على غيض محدود من فيض الثقافة الغامر. ـ كاتب سوري