السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 كان علينا أن ننتظر خمس دقائق.. الرئيس الأميركي السابق «جيمي كارتر» وأنا.. فقد كان مطعم الإفطار في فندق «ويلارد» ـ القريب من البيت الأبيض في واشنطن والشهير بأنه فندق رؤساء الولايات المتحدة ـ يفتح أبوابه في تمام السابعة صباحا.. وقدمت له نفسي.. فابتسم وهو يصافحني في حماس ريفي لا يخلو من براءة مزارع فول سوداني في «جورجيا».. وأبديت إعجابي بجرأة رحلته الى كوبا.. وكسر الحاجز النفسي بين بلاده وبين دولة «فيديل كاسترو» الشيوعية الصارمة.. وسعيه الى توفير ثمرة السلام المحرمة في غابات أفريقيا الاستوائية.. فهز رأسه وكأنه يداري خجله من الإطراء.. لكنه.. أبدى دهشته من تجاهلي لما فعل في «كامب ديفيد» بين مصر واسرائيل.. فهو يعتبر ذلك الحديث «بيضة الديك» التي ضمنت له قصرا في الجنة.. جنة التاريخ.. ففردت عدد ذلك الصباح من صحيفة «واشنطن بوست» كان في يدي ليتاح له قراءة عناوينه الرئيسية التي كانت تتحدث عن نهاية السلام في الشرق الأوسط.. فقد دهسته وفرمته وقطعت دابره وأجهزت عليه سياسات ودبابات «أرييل شارون». لم أشأ أن أتطفل عليه وهو يتناول إفطاره.. ثم إنه اختار مائدة لشخصين في نهاية المطعم.. وقد جاءت زوجته «روزلين» بعد دقائق وقد حملت معها صحيفة أعطتها له ومجلة وضعتها أمامها ولفت نظري أنه سارع بتأدية صلاة الشكر.. وقام ليضع في طبقه شرائح من المانجو والأناناس والكيوي.. وطلب قهوة.. وتوست أسمر.. وزبد مصنوع من الزيوت الخالية من الدهون.. أما زوجته فقد اكتفت بالقهوة ورقائق «الكورن فليكس».. ثم غرق كل منهما في القراءة.. فمرض الخرس الزوجي يمكن أن يصيب الرؤساء أيضا. في ذلك الصباح تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا لم يحصل «جيمي كارتر» على جائزة «نوبل» للسلام؟.. لقد حقق بما فعل في «كامب ديفيد» المستحيل الرابع بعد الغول والعنفاء والخل الوفي وهو الصلح الرسمي بين مصر واسرائيل.. صحيح أن الجائزة في عام 1978 كانت من نصيب «أنور السادات» و«مناحم بيجن».. لكن.. لماذا لم تكن من نصيبه في أعوام تالية خاصة وأن الجائزة وجدت طريقها في تلك الأعوام لمن لا يستحقونها''. ابتسمت طويلا وأنا أقرأ خبر فوزه بالجائزة هذا العام.. شعرت وقد تأخر أكثر من عشرين سنة أنها بدت مثل سيارة إسعاف وصلت بعد وفاة المصاب ودفنه والصلاة عليه.. أو مثل سيارة إطفاء وصلت بعد أن أتت النيران على كل شئ.. بصراحة أكثر شعرت أن لجنة الجائزة لم تجد أحدا يستحقها فراحت تبحث في دفاترها القديمة.. وإن حاولت اللجنة أن توحي بأن حصوله على الجائزة «ليس صدفة».. وإنما هو «رسالة نقد ضد الادارة الأميركية الحالية وسياستها تجاه العراق».. فقد حصل «جيمي كارتر» على الجائزة (نحو مليون دولار وميدالية ذهبية) بعد ساعات قليلة على موافقة الكونجرس على خطة الرئيس الأميركي «جورج بوش» لضرب العراق.. فالكلام لك يا جارة.. لكن.. الجارة مغرورة.. وعدوانية.. ومنفوشة الريش.. ولا تقرأ التاريخ. أما التاريخ فقد قرأه وكتبه وتحسسه وشمه ومشى في شوارعه الضيقة «جيمي كارتر» في كتابه «دماء ابراهام» وهو النطق الغربي والعبري لاسم النبي «ابراهيم» عليه السلام.. وقد صدر الكتاب في عام 1985 عن دار «هوجتون ميلفن» في بوسطن.. وشاركه فيه «كينيث شتاين» أستاذ مادة تاريخ الشرق الأدنى بجامعة «ايموري».. ويقع الكتاب في 257 صفحة.. وهو عبارة عن رحلة سياحية.. سياسية لدول الشرق الأوسط اقتفى فيها «جيمي كارتر» خطوات سيدنا «ابراهيم» على الأرض المقدسة ليعرف كيف اختلف اتباع الديانات السماوية الثلاث مع انهم من «صلب» واحد؟ إنها رحلة رجل حكم بلاده فحكم العالم.. اعتبرتها لجنة جائزة «نوبل» على رأس حيثيات فوزه بالجائزة.. رحلته الى منطقة محيرة تغطيها رائحة البخور والعطور.. تمتلئ ببيوت العبادة المختلفة.. يمسك فيها أهلها بالسبح والخناجر معا.. والقتل على أرضها باسم السماء.. والموت فيها مستحب عن الحياة. بدون هذه الرحلة لم يكن «جيمي كارتر» ليعرف أن جذور الكراهية في الشرق الأوسط تمتد الى التربة الدينية.. لم يكن ليفهم تلك السهولة التي تراق بها الدماء دون الرجوع الى الكتب المقدسة الثلاثة.. فالتصور الخاطئ لإرادة الله ومشيئته هي على حد قوله «أساس الارهاب المسلح الأكثر شراسة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين ودعوة الله للتسامح والمحبة هي أداة الصراع الدائر بينهم».. إنهم يعترفون برب واحد.. يعبدونه.. ولكن تفسيراتهم الروحية تفرق بينهم.. وتعتبر مصدرا للخلاف.. وتحرمهم من العيش في سلام. لم يكن «جيمي كارتر» يعرف أن العرب واليهود أبناء أب واحد.. هو ابراهيم.. وهو ما جعله يعيد دراسة التاريخ.. وخلال مفاوضات «كامب ديفيد» اكتشف أنه في حاجة ماسة لدراسة ولو مختصرة عن القرآن والتوراة ليفهم سر التعنت المتبادل بين «السادات» و«بيجن».. وقد لجأ الى «السادات» ليشرح له «الغطاء الديني للجدل السياسي والعسكري الذي يجري ولا يريد أن يتوقف».. الأمر الذي جعل مناقشاتي مع «السادات» لها دلالة أكبر.. فقد كان يعرف عن اليهودية والمسيحية أكثر مما أعرف أنا عن الاسلام.. ويضيف: «إن اليهودية والاسلام لهما تأثير عميق على الحكم والسياسة في اسرائيل والبلاد العربية».. وهو ما يعني صعوبة حسم الصراع بينهما.. فعندما يصر كل طرف على أنه ينفذ ما تمليه عليه السماء يكون الحل مستحيلا. ويكشف «جيمي كارتر» أنه منذ كان طفلا وهو يتوق الى زيارة الأماكن المسيحية في فلسطين.. وعندما أصبح رجلا ضاعف قراءته الاسبوعية للكتاب المقدس.. لذلك فإنه لم يتردد في قبول دعوة «جولدا مائير» الرئيسة السابقة لحكومة اسرائيل لزيارة «القدس» هو وزوجته في مايو عام 1973 وكان حاكما لولاية «جورجيا».. وفي هذه الزيارة كان معه سيارة مرسيدس قديمة.. مريحة.. وسائق شاب يعرف كل ما يصادفه. كان يبدأ يومه مبكرا.. «كنت أتجول قبل شروق الشمس في أنحاء المدينة العتيقة».. و«أشعر بعبقها الذي كانت عليه قبل ألفي سنة عندما كان السيد المسيح يتجول في نفس الشوارع والأزقة».. و«شعرت بالراحة فقط عندما كنا في الأماكن المفتوحة.. ورأينا جبل الزيتون وبستان القبر المقدس وجبل الكرمل وبحر الجليل وجبل التجلي وكفر ناحوم وبيت صيدا ونهر الأردن.. شعرت أننا نشاهد هذه الأماكن كما تبدو في عصر التوراة».. ويستطرد: «ولعدة ساعات تناولنا كميات ضخمة من لحم الضأن المشوي بأصابعنا وكذلك فاكهة وخضروات وخبز ومشروبات روحية وقهوة عربية يختلط فيها البن بالحبهان.. فقد كنا في ضيافة عمدة الناصرة المسلم ونائبه المسيحي. خرج من رحلته الأولى بأنه لا يمكن الاقتراب من اسرائيل أو دخولها دون التفكير في الكتاب المقدس.. «لقد كانت الأسماء والصور جزءا لا يتجزأ من حياتي باعبتاري مسيحيا على أن أقرأ العهد القديم قبل أن أصلي بآيات من العهد الجديد».. لكن.. «هذه الصور حملت معاني مختلفة كلية عندما أصبحت رئيسا للولايات المتحدة واشتركت في مفاوضات حياة أو موت لحل أصعب مشاكل القرن العشرين (والقرن الحادي والعشرين) مشكلة الشرق الأوسط.. فهي مشكلة يتداخل فيها الماضي السحيق مع الحاضر المتشابك.. وتخرج فيها الأسلحة المتطورة من بين صفحات الكتب المقدسة».. لم يشعر «جيمي كارتر» بذلك إلا في رحلته الثانية لاسرائيل التي جرت في مارس عام 1979 والتي كانت زيارة تمهيدية للتوصل الى اتفاقية الصلح بين مصر واسرائيل.. أما الرحلة الثالثة فكانت في ربيع 1983 بعد عامين من تركه البيت الأبيض.. وفي هذه الرحلة شعر أن السلام الذي شارك فيه وأصر عليه أصبح «سلاما باردا».. سلام «سلاح».. أي سلام تهدده قوة السلاح.. و«يشوبه الحقد والضغينة».. مما جعله يؤمن بالا أمل في أكثر من ذلك«طالما أن كل طرف يحارب بيد ويرفع كتابه المقدس في اليد الأخرى».. «إنها حرب يؤمن أصحابها بأنهم ينفذون تعاليم السماء.. وهو ما سيجعلها حربا بلا نهاية».. فالدين في الشرق الأوسط لله لكن.. الأرض ليست للجميع. في سوريا تابع «جيمي كارتر» رحلة «سيدنا ابراهيم».. وتوقف في دمشق.. إحدى محطات تلك الرحلة القديمة التي رصدتها التوراة.. هبطها خليل الله عليه السلام هو وزوجته سارة وهما في طريقهما الى أرض كنعان.. ودمشق أقدم مدينة في العالم.. عمرها أكثر من ثلاثة آلاف سنة.. وهي عاصمة سوريا الكبرى (سوريا الآن ولبنان وفلسطين والأردن).. منطقة الهلال الخصيب.. حيث القدس.. روح المسلمين.. ونور عيونهم.. وقد قال له الرئيس «حافظ الأسد» عندما قابله وقتها: «لو أصر الاسرائيليون على الاحتفاظ بالقدس فإن هذا يعني أنهم لا يريدون سلاما فنحن مرتبطون بالقدس ارتباطهم بها». ومن سوريا الى لبنان.. وهي في رأيه «دولة طائفية» ولدت على يد المبشرين المسيحيين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.. وبمرور الوقت أصبحت الطوائف الدينية المختلفة أشبه بالقنابل الموقوتة على فترات متقاربة بحيث تظل الدولة في حالة سخونة دائمة.. «حتى السلطة في لبنان موزعة على أساس طائفي.. فرئيس الجمهورية مسيحي ماروني ورئيس الورزاء مسلم سني ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي والهيئة الحاكمة مكونة من 15 عضوا.. مارونيين.. وثلاثة أرثوذكس يونانيين.. وواحد من الكاثوليك اليونانيين.. واثنان شيعة.. واثنان سنة.. وواحد من الدروز».. و«بسبب تلك التوليفة الخاصة فقد أصدرت تعليماتي ـ عندما كنت رئيسا ـ الى المخابرات المركزية أن تضم في تقريرها الاسبوعي وصفا موجزا للطوائف السياسية والدينية وقادتها الحاليين وحجم كل قوة من المليشيات وفعاليتها وعلاقاتها الخارجية.. وعند ذلك استطعت أن أفهم التقارير الصحفية الواردة من تلك الدولة التي تسودها الاضطرابات». واهتم «جيمي كارتر» برؤية الفلسطينيين بعيون دينية أيضا.. أو بعيون التوراة.. فهو يقول: «إن حدود فلسطين ـ التي يطلق عليها اسم أرض كنعان أو الأرض المقدسة ـ لم توضع لها خطوط واضحة على الاطلاق.. واسم فلسطين هو اسم قديم مشتق من كلمة الفلسطينيين الذين عاشوا هناك.. وهم أبناء سواحل.. لذلك فهم يقيمون في الأرض الواقعة على ساحل البحر فيما هو معروف الآن بجنوب فلسطين المحتلة وقطاع غزة.. ولم يصور الكتاب المقدس أولئك الناس بصورة جذابة لأنهم لم يعبدوا رب موسى ولأنهم تنافسوا مع اليهود على السيطرة على أرض كنعان.. وهم يعيشون الآن في الشتات.. كما كان اليهود من قبل.. ويزعم الفلسطينيون (حسب قول كارتر) ـ شأنهم في ذلك شأن اليهود ـ أنهم مدفوعون بعقائد دينية تقوم على أساس ما وعدهم الله به ويعتبرون أنفسهم خليطا من كافة الشعوب بما في ذلك اليهود القدامى الذين عاشوا في فلسطين منذ عصور التوراة الأولى».. «لذلك فإن الصراع العربي ـ الاسرائيلي يعتبر بمثابة نضال بين هويتين وطنيتين من أجل السيطرة على الأرض.. ولكن هناك تاثير القضايا التاريخية والدينية والاستراتيجية والسياسية والنفسية على المواجهة مما يؤخر تسويتها سلميا». في سيارة جيب عبر «جيمي كارتر» الضفة الغربية لنهر الأردن الى الضفة الشرقية.. أي الى دولة الأردن.. إن وادي نهر الأردن قريب جدا من وادي موسى.. حيث كان اليهود يموتون عطشا فأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب الصخر بعصاه فانفجرت المياه من جوفها.. وبعد آلاف السنين من مرور موسى شيدت مدينة في هذا المكان عرفت في الأزمنة المقدسة باسم «سيلان» وتعرف الآن باسم «بترا».. ومن «بترا» سافر «جيمي كارتر» الى عمان.. أو: بني عمونكما جاء اسمها في الروايات المقدسة لفتوحات الملك «داود».. أو «فيلادليفيا» وهو الاسم الذي أطلق عليها قبل عهد المسيح.. وقد أصبح اسمها عمان عام 635 ميلادية بعد أن فتحها العرب. بالطائرة شاهد «جيمي كارتر» جبل سيناء أو جبل موسى الذي تلقى فيه موسى الوصايا العشر من الله.. وقامت الطائرة بدورة كاملة حول الجبل الذي يبلغ ارتفاعه 7500 قدما.. وألقى نظرة على دير «سانت كاترين» الذي يقع في مواجهة الناحية الشمالية للجبل العريق منذ 1450 سنة وهو يعتبر أقدم دير مسيحي على وجه الأرض.. وبالقرب منه وادي «الراحة» وهو مكان يعتبره اليهود مقدسا. في مصر قام بزيارة الأقصر.. ويقول: إنه «في يوم أحد أدينا الصلاة في كنيسة قبطية قديمة بإحدى القرى التي صادفناها ونحن في طريقنا.. وبعد القداس شاركنا القساوسة في احتساء الشاي وقد أشاروا الى أن طقوسهم لم تتغير خلال الستة عشر قرنا الأخيرة.. وعلى عكس الحال بين المسيحيين الغربيين في الدول الأوروبية لم تظهر مذاهب أو عقائد جديدة بين المسيحيين في الدول الاسلامية منذ العصور الوسطى.. فنفس النمط الأرثوذكسي ما زال سائدا بين المسيحيين في الشرق والذين ظلوا عصورا طويلة بلا مساس بصفتهم جماعات أقلية بين المسلمين». ويستطرد: «إن مصر دينيا حالة خاصة.. فهي دولة زراعية مستقرة.. عرفت أقدم حكومة مركزية في التاريخ.. لم تتعرض الى اضطرابات حادة تجعلها فريسة سهلة للأفكار الأجنبية.. وهو ما جعل الفلسفات والمعتقدات الدينية تتغير ببطء شديد.. وركز أفراد الشعب اهتمامهم على البناء والحرف والزراعة».. على لقمة العيش.. «ولأنها كانت دولة تتمتع بالرخاء فليس غريبا أن يترك سيدنا ابراهيم عليه السلام أرض الميعاد ـ التي وصل اليها بعد رحلة شاقة ـ هربا من الجفاف والجوع ويهبط مصر.. الى الدلتا.. ربما الى مكان لا يبتعد كثيرا عن قرية السادات لشراء ما يكفيه من الطعام هو واسرته.. وهناك لقي ترحيبا كريما.. ولم يخرج من مصر إلا بعد أن أصبح ثريا». وانتهت رحلة «جيمي كارتر» في السعودية.. مهبط الوحي برسالة الاسلام.. وعندما انتهت رحلته أدرك أن الدين في الشرق الأوسط ليس تراثا.. ليس مجرد طقوس عبادات.. وإنما هو محور كل الصراعات التي لا تهدأ في المنطقة.. محور الصراع بين العرب والاسرائيليين.. محور الصراع بين الغرب والسلفيين.. محور الصراع بين نظم الحكم والمعارضين الأصوليين.. لكنه عرف ذلك بعد أن أصبح مجرد مواطن أميركي.. مثله مثل أي سائق تاكسي في قريته.. لا حول له ولا قوة.. لذلك فاز بجائزة «نوبل» للسلام. ـ كاتب مصري