السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 هل يصدق المرء عندما يشاهد فتاة مستورة ولا ترتدي ثيابا فوق الركبة وظهرها مكشوف وفتحة الرقبة تكشف تفاصيل كثيرة، ناهيك عن نحالة الخصر وضيق البنطال وغير ذلك من الزوائد مثل خلخال في الكاحل وخاتم في ابهام القدم وبنصرها.. هل يصدق ان فتاة لا تتمتع بتلك التفاصيل هي نتاج الحالة اللبنانية؟ والحالة اللبنانية تعني ان الفرد يمكنه ان يتخيل المشهد عن بعد من خلال فصيلة من المذيعات اللواتي يرطن العربية بلبنانية محكية ويتمخترن بين حسناوات العالم بثياب سباحة فصلت خصيصاً لاجسادهن الممشوقة، مرة بطلات جمال الانترنت وثانية لجمال الشواطئ وثالثة لجمال الأغلفة ورابعة للكون وخامسة للفيديو كليب وسادسة للزيتون وسابعة للأرز، وثامنة للسهر وتاسعة للشيشة وعاشرة لطق الحنك. من الذي روج لتلك الحالة اللبنانية وعمّمها لتصبح علامة فارقة لبلد كان واحة الحرية وكان متنفساً للشرق بثقافته وريادته وحضوره التاريخي؟ الذين لا يعرفون لبنان الواقع والتاريخ والجغرافيا يعتقدونه بلداً مليئاً بتلك النماذج التي ذكرناها سابقاً لأنهم لا يعرفون منه سوى ما تبثه وسائل الاعلام من صور راقصة لحياة ضاحكة شعارها يا ليل يا عين. الذين لا يدركون لبنان حقيقة حاضرة مطلع التنوير العربي حيث اليازجي والبستاني وحيث الطباعة والتوثيق والفكر الحر، هم ضحايا الصورة البصرية المشوهة التي خربت فهم العربي لوطن ليس فيه من تلك النماذج سوى رعب الشكل وفراغ الذهن واستعراض أجوف لثلة قفزت إلى الحياة من فجوة الخداع واستقرت على أحد الكراسي الفارغة في وطن غيبت الحرب حقيقته وتركت ساحته لمن يريد ان يزايد على لبنان التاريخ والحضارة والثقافة، ولو سألناهم عن ذلك التاريخ وتلك الثقافة لما عرفوا منهما شيئاً، ولكنهم سيحكون كثيراً دون مغزى أو معنى لحكيهم.. لأن الدارج في عرفهم ان تحكي كثيراً يعني ان تكون في موقع الصدارة.. صدارة الثرثرة. وهكذا لم نعد نعرف من لبنان شيئاً سوى ثرثرات ورغي زائد وافتاء في كل شئون الدنيا.. لأنهم أرادوا ان يكون مركزاً عالمياً للكلام، وعليه فقد تم تصدير تلك النماذج إلى العرب في ظل غياب البدائل الصحيحة والحقيقية.. حيث ان هناك اكثر من خمسين محطة فضائية عربية جميعها لا تنتج برنامجاً واحداً ولكنها تبث أربعاً وعشرين ساعة متواصلة من الثرثرة والالتواء الراقص ويصبح امراً واقعاً ان تستورد المحطات الفضائية مستلزماتها من هناك..! لن يصدق المرء عندما يزور لبنان ان هذه النماذج التي يتعامل معها في الشارع وغيره من الامكنة انها لبنانية.. ويبدأ في البحث عن فصيلة حسناوات الانترنت والشيشة والشواطئ وطق الحنك.. فيصاب بخيبة الأمل لأنه لن يصادف إلا أناساً بسطاء مثله لا علاقة لهم بما يجري على الهواء، ولكنهم يقرون بحقيقة راسخة ان الجمال الاستعراضي لا يستثمر طويلاً ولن يدوم اكثر من عشر سنوات، بعدها لن يصلح العطار ما أفسدته الفضائيات، والأفضل ان يبحث المرء عن الثقافة والحضارة والتاريخ خارج نطاق الحكي والرغي علّه يجد ضالته في مكان ما. e-mail:H-S-D@maktoob.com