الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 ولو كنت في جنات الدنيا كلها قد تنسى كل شي، تسلى، تطير وتحط ولكن الوطن في داخلك يبقى حنين الدفء وجين الوفاء الذي يسرب عروقك، تراه من على البعد، تشم رائحة ترابه، تتغنى به في خلواتك ومسامرك، تشعر انك تتحدث عنه كثيرا ولا ترغب في التوقف.. في البعيد تشعر انك اليتيم بدونه، وان كل من حولك لا يمكن ان ينتشلوك من الوله، في البعد تصبح مفردات الوطن صغيرة وكبيرة اكسير حياة، وكلما طالت مدة الفراق تحن الى مفاصله واطرافه قبل قلبه ولبه.. بالامس كانت الجلسة في صالة «الولبي» بفندق القدس تحمل احاديث عن الاوطان، هموم وشجون واشتياق، قال العرب في اوطانهم ما قالوا، ودورت على ما انوي قوله في الجلسة الكبيرة فغالبني الشوق وخانني، سرقني من بين الجالسين، فتحدثت عنه دون ان اشعر ان الذين جلسوا ليستمعوا، بدأوا في الغمز واللمز.. «هذا خليجي مترف.. يزايد على وطنه.. يا عم همه شاعرين بشي، عندهم النعيم والمن والسلوى..». تنبهت بعد ربع ساعة من الحديث عن قفزاتنا الحضارية التي صنعتها قلوب ابناء الوطن، رفعت صوتي بحماس، قلت اننا نفخر بقيادة قلبها وعينها وحسها وهاجسها الوطن ولا سواه، قلت عن معنى الابوة، حينما يصبح القائد ابا وقلبا كبيرا يتسع للحب الذي يفتقده الاخرون.. تنبهت الى ان الجميع ينصت ويهمس بالأمر ذاته. قال احدهم: انتم تعودتم على هذا الخطاب؟ انتم تطبلون لقياداتكم لانها تدفع لكم، انتم تعيشون الترف، حتى كلامكم عنكم صار ترفا.. وحينما ضحكت وقلت له اننا اسعد شعوب العالم لاننا اسرة واحدة، حكامنا وقياداتنا آباؤنا، وانكم لا تستطيعون الشعور بما نشعر به لانكم فاقدوه، قال احدهم: هذا دجل؟ هل يعني انكم لا تعانون مطلقا؟ قلت له: نحن نعاني ومن قال لك اننا بقلوب متحجرة.. نحن نعاني، لكننا نعاني معا، نحن وقياداتنا ينبض بنا قلب واحد، هو قلب الوطن، وحينما نكون جميعا في هذه المعاناة فنحن لا نشعر بما تشعرون به مطلقا. لاول مرة اشعر ان هناك من يحسدنا على هذه النعمة.. فرحت لاننا نحسد على شيء صار نادرا في هذا الزمن الرديء. احد المنطقيين جدا علق قائلا: بالتأكيد هم كذلك لانهم جميعا في الهموم سواء، انا عشت في بلدهم وشعرت بهذه الابوة الدافئة التي تختلفون حولها، بالفعل انهم كذلك وهذه حالة فريدة، عشتها ولم اسمع بها فقط، لهذا هم يسيرون بهدوء نحو وطن دافئ. في نهاية الجلسة كان فيهم من لعن حكومته، وفيهم من ترحم على قيادته السابقة، وفيهم من زفر زفرة اليائس من اصلاح، وقال اخر، عندنا يهلكونك بالضرائب، واغنياؤنا يمصون دماء فقرائنا في وضح النهار، والفساد والرشوة تقصف بلدنا بالازمات.. اغلبهم اعترف اعترافات صريحة ان بينهم وبين اوطانهم ثأرات كبيرة، كانوا يعترفون كالاطفال الابرياء، يبكون من غير دموع ولا بكاء، صدورهم محروقة.. كم نحن محسودون على الحب وعلى هذا الوطن الجميل..