الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 لسنا وحدنا في دولة الامارات من يعاني من المأزق الديمغرافي او السكاني، فكل منظومة دول الخليج يسكنها ذات الهم، ونفس المأزق، وهو ليس بالبسيط او من ذلك النوع الذي يمكن تجاهله أو تركه للزمن ليتولى حله، انه مأزق يزيده الزمن تعقيداً ما لم تبادر جميع مؤسسات المجتمع للتصدي له، والاستعداد لحله ويأتي القرار السياسي على رأس من تقع على عاتقهم حل المعضلة لاعتبارات معروفة. لقد فُتح الملف السكاني ـ او ما تعارف الاعلام على تسميته بمأزق التركيبة السكانية ـ مراراً، وتم عرض جوانب الخلل والقصور والمخاطر، ولكن الملاحظ أن النقاشات حول هذه المعضلة دائماً ما تنتهي إلى القاء كامل الملف على عاتق وزارة العمل أو دائرة الجنسية والهجرة، كما ان الجميع يذهب مباشرة إلى سوق العمل ومتطلبات هذا السوق، وكأننا نهدف فقط من وراء طرح المشكل السكاني والتنبيه إلى مخاطره إلى حل مشاكل السوق والوظيفة ومتطلبات الشركات ورجال الاعمال، بينما المشكل يحوي في طياته مخاطر اكبر تنسحب على الامن الداخلي، والخارجي، وعلى الهوية، والسمعة الوطنية، وعلى مجمع التاريخ والسياسة، حتى يضعنا هذا المشكل في اقصى درجات مخاطره امام تحدي الوجود نفسه، فنحن مع هذا المأزق اما ان نكون ونستمر كشعوب وكجزء من الامة العربية، وكدول وكيانات سياسية مستقلة، واما ان لا نكون، بمعنى ان ننتهي على الاقل سياسيا بشكل أو بآخر!! وطالما اننا نفتح ملفات الحوار والتواصل هذه الايام من خلال منتدى دبي الاستراتيجي، ومن خلال التحديات الاقليمية والدولية المحيطة بنا، فإن هذا الملف يحتاج لأن يفتح، لأنه احد اهم تحديات التنمية الشاملة التي اشار اليها راعي المنتدى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في كلمة افتتاح المنتدى، والذي كان واضحاً وحازماً وهو يلخص رؤيته الاستراتيجية التنمية ومتطلباتها وضروراتها وايضاً تحدياتها. المأزق السكاني والذي يعرف الجميع أن أول دلالاته واخطرها طغيان العنصر الاجنبي على تركيبة المجتمع سكانيا إلى درجة مخيفة تضع مواطني الدولة في خانة (الاقلية) بنسبة عددية تصل إلى اقل من 15% في بعض التقديرات، كذلك يظهر الخلل المترتب على هذه النسبة الضئيلة من خلال اعداد ونسب المواطنين في الوظيفة العامة وفي مجمل سوق العمل، فاحدى كبرى الشركات الوطنية ذات السمعة الدولية وذات الكثافة العددية الكبيرة في اعداد الموظفين (15000) خمسة عشر ألف موظف تقريبا، تعلن وبوضح ان نسبة المواطنين فيها لا تتجاوز الـ 10% وبأن نسبة المواطنين في الوظائف القيادية تصل إلى 25% فقط!! اقتصادنا في ايدي الآخرين، ثرواتنا كذلك، ومستقبلنا اذا اردنا ان نكون صريحين هو ايضا في ايدي هذه العمالة، والحق الذي يجب ان نعلنه هو ان هذه العمالة تقدم لنا عملاً نحن بحاجة اليه وربما لم نكن قادرين على ادائه فيما مضى وربما لوقتنا الحالي ايضاً وان كان بنسبة اقل مما مضى، لكن هذا الوضع يجب ان لا يستمر، وكلنا يعلم بأن هناك حاجة في سوق العمل للايدي المواطنة وبأن هناك ايدي عاملة، لكن اما انها لا تلبي متطلبات الوظيفة، واما ان صاحب العمل لا يفضلها لان اجرها مرتفع قياساً بالعمالة الاجنبية. لكن ذلك ليس حلاً، وبرغم كل المحاولات لرفع نسبة التوطين والزام المؤسسات بنسبة معينة، الا ان التقدم في هذا الاتجاه لا يسير كما يتوقع المؤملون في ايجاد حل لا نقول عاجلاً وسريعاً، ولكن مدروساً ومخططاً ويسير وفق مراحل وتطبيقات مراقبة ومتابعة من قبل الجهات المسئولة. نحن نطالب البنوك برفع نسب التوطين لكننا لا نلزمها، ونطالب الطلاب بالدراسة ونبتعثهم للخارج وننفق عليهم الملايين، لكننا لا نضع خططا وتقنيات للتخصصات ولما نحتاجه اليوم وفي المستقبل، نحن نعلم ونبتعث وندع الجميع يوجه نفسه ويختار ما يشاء، ثم بعد ذلك نعاني مشكلة الخريج والحاصل على الدرجات العليا الذي لا يجد وظيفة فنحاول ان (نخلق) له وظيفة و(نصنع) له مركزاً ونضعه فيه، وكأن الحكاية (صداع نعالجه بحبة بندول)!! مطلوب من الجهات المسئولة عن قطاع التعليم وعن مؤسسات الرقابة على الوظيفة العامة، ومن كل شخص تقع عليه مسئولية اصلاح الخلل ان يعمل وفق خطط دقيقة، يتم متابعتها مرحليا والتأكد من القرارات والمطالب، حتى لا يصبح الكلام مجرد كلام فقط للدعاية والاعلان!!