الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 بعد حوالي عشرة أيام من وفاة حمد بن خليفة بوشهاب رحمه الله، دخلت فتاة الى مبنى الجريدة، طلبت من موظف الاستقبال ان يدلها على المكتبة، كانت ترغب في البحث بالاعداد القديمة. أجابت فني الارشيف انها تريد الاطلاع على صفحات «الشعر الشعبي» منذ بدء صدورها وكذلك قصائد الشاعر المرحوم. وفّر لها مطلبها، احضر لها جميع اعداد السنوات الماضية، منذ منتصف الثمانينيات، ووضع لها المجلدات التي تآكلت أطرافها وحروفها بفعل الزمن. منظر الملفات القديمة وما عليها من غبار واتربة كان كافياً لأن يكسر طموح الفتاة ويجعلها تعيد النظر في الامر الذي جاءت من أجله، فحجم الارهاق والبحث مع هذه الاعداد لن يكون سهلاً، لكنها اصرت على ان تبدأ وتستمر وكانت آخر الذين خرجوا من المكتبة في ذلك اليوم. وتابعت العملية في اليوم التالي واليوم الثالث والرابع حتى اكملت الاسبوع الاول، تأتي في الصباح وتخرج مع نهاية اليوم. وكانت المحصلة عدداً ضخماً من القصائد التي تخص المرحوم حمد بوشهاب، وكذلك أبرز الشعراء الذين نشر لهم الشاعر في تاريخ الصفحة، كان الخوف ان تكون هذه الفتاة تنتمي الى حزب الذين يكبرون على أكتاف الكبار، كان خوفنا على اسم ومكانة الشاعر وعلى ثروته المكنونة في هذه الاوراق المنسية. كيف خطر لهذه الفتاة ان تأتي وتبحث فيها، ولماذا تريد ذلك؟ كانت حجتنا لها ان عملية التصوير من هذه الصحف، صعبة بسبب ضخامة المجلدات والخوف على سلامة هذه الاعداد القديمة والنادرة، قابلت هذا الاعتذار بطلب السماح لها ان تنقل القصائد وتخطها بيدها. واوضحت سوء اللبس وغرائبية طلبها واصرارها على تحقيقه: انني أتمنى ان أرد قليلاً من جميل هذا الشاعر الكبير لنا ولوطننا، ورأيت ان اقل عمل يمكن ان اقدمه هو انشاء موقع على شبكة الانترنت فيه كل اعمال حمد بوشهاب وسيرة حياته وصوره وما كتب عنه، والخيارات التي كان ينتقيها في صفحة الشعر الشعبي طوال السنوات الماضية، ولا اريد على ذلك اجراً من أحد ولا منفعة، فلن يعرفني احد لأنني لن اضع اسمي عليه، سيكون له وحده، انه نوع من الواجب يفرض علي ان اتحرك واحاول عمل ولو شيء بسيط. اخذت ما تريد وكان عليها مهمات اصعب، ورضيت منذ البداية ان تقوم وحدها بكل شيء دون ان تشعر الاخرين بحاجتها الى المساعدة على انجاز هذا العمل، انها لا تريد احراجهم في ذلك! تطلّب الامر ان تعيد طباعة القصائد وكذلك كل المواد التي سيحتويها الموقع، وايضاً مراجعتها وتدقيقها قبل نشرها، وان توفر الصور وبعض المخطوطات التي كتبها المرحوم الشاعر بيده، وايضاً ان تبحث عن مادة ارشيفية بصوته وصورته، وبذلت مجهودات في ذلك واغلقت ابواب كثيرة في وجهها! لكنها لم تتراجع واصرت ان تكمل خطواتها. وضعت مخططاً للمشروع واقترحت التبويب المناسب، وكان عليها ان ترسم وتنفذ الشكل الفني للصفحات، وعليها ان تفهم في التقنية وتجهيز الموقع، كان المطلوب لانجاز مثل هذا العمل فريقاً متخصصاً في مجالات مختلفة، اختصر هذا الفريق في شخص وحيد. وعندما أتمت المشروع كانت التجربة مخيبة للآمال، فالشكل الاول متواضع ولا يرقى لمكانة وشهرة الشاعر، وكان لابد ان تهدم ما بنته وتبدأ من جديد. هنا كانت المرحلة أصعب وأخطر، فيها قلق نفسي واخفاق والخوف من الفشل الكامل وان ينتهي هذا الحلم الجميل عندها قبل ان يبدأ، قاومت كل هذه الضغوطات، وعاودت التجريب والتطوير بحثاً عن الافضل. نجحت اخيراً في زمن قصير ان تنفذ مشروعها بشكل جيد ومادة غنية، واستطاعت ان تقدم ما عجز عنه الجميع. فتاة مقابل (جيش) من المؤسسات والافراد الذين يدّعون صلتهم وحبهم للشاعر الفقيد. كلهم تمنوا، كلهم ارادوا ان يحفظوا ويقدموا اشعاراً ومؤلفات ودراسات حول حمد بوشهاب. وحدها هذه الفتاة هي التي حققت ما تريد، عبرت عن وفائها وتقديرها واعجابها. كان عملاً عظيماً جميلاً مقابل صمت الاخرين! وفي اقل من اسبوع على بدء انطلاق الموقع، كان في دفتر الزوار عشرات الرسائل من مختلف دول العالم، كلها تحمل آيات الاعجاب بالعمل المقدم تشكر وتشيد وتعرض الدعم والمساعدة. تجربة مثل هذه الفتاة وما فيها من طموح وصبر وحماس ووفاء، يفرض علينا ان نعيد النظر في انفسنا، وفي ادوارنا كمؤسسات، وايضاً ان نقيم من جديد هذا الجيل الشاب. يبدو اننا لم نعرفه عن قرب وان هناك فجوة بيننا وبينه، فهو في حالات كثيرة عكس الصورة التي رسمناها وكررناها عنه، من تسطيح وتهميش يعاني منهما هذا الجيل المرفه، جيل الالعاب والكمبيوتر واللاوعي الذي يجهل قضايا امته ودينه، ولا يمكن الركون اليه في حمل هموم ورسالة أسلافه. هذه الصورة التي نحاول ان نصفه بها ونرسخها في اذهاننا عنه. ونتناسى ان العيب الاكبر ـ ان كان هناك شيء من ذلك في بعض ملامح صورة شباب اليوم ـ يعود الينا، نحن الذين صنعنا هذا، أهملنا هذا الجيل وفرضنا عليه او هكذا تمنيناه ان يكون مثلنا دون ان نرسم له ونعلمه ونناقشه ونقنعه بالموروثات والمتطلبات. لم نشعره بالامانة ولا يعرف ماهيتها ونطالبه ان يحمل الإرث وان يفكر ايضاً مثلنا ـ وما فينا من احباطات وفشل في مشروعنا القومي الذي نحاول ان نستره حتى عن انفسنا. لم نخلق هذا التواصل، ولم نحاول ان نجذب هؤلاء الينا في منتدياتنا ولقاءاتنا، لم نعلمهم العمل الذي نريده او الذي نحلم به وفشلنا في تحقيقه. وايضاً اننا في مؤسساتنا الثقافية والاجتماعية وفي اعلامنا الضخم والواسع لم نعطهم الفرصة ولم نسمح لهم بالاقتراب من هذا المحيط المغلق. فكيف نبحث عن زرع ما لنا يد في سقايته والعناية به، كيف نلومه اذا لم يكبر كما نتمنى او كان ثمره مُراً لا كما نشتهي او انه أثمر وقطفه غيرنا؟! من يشاهد ويقرأ الفضاء الذي رسمه هذا الجيل في العالم الذي يتقنه وهو عالم الكمبيوتر والانترنت، هذا العالم المفتوح الذي لا تملك مؤسسة او افراد مفتاح التحكم به والسماح لمن تريد وكما تريد بدخوله ـ كما هو اعلامنا مثلاً ـ في الفضاء الحر الواسع هذا، أبدع جيل اليوم واتقن مهارات التعبير عن حبه لامته ووطنه واهله. الداخل على بعض المواقع التي صممها وغذّاها ابناء هذا الجيل يصيبه العجب والفرح في آن، كيف لهؤلاء مثل هذه التقنية والابداع. وكم هي غنية هذه الموضوعات والصور. انها من الوطن بل هي من أعماق الوطن، فكيف وصلوا اليها وكيف عبّروا عنها، وانها عن شئون وشجون الامة أكثر صدقاً وصراحة في طرحها ورؤيتها. فأين هذه الكتابات والتقنيات والابداعات في واقعنا ـ أقصد اعلامنا مرة ثانية. انه جيل جميل يملك طموح الشباب، عنده رؤية وأهداف. قصّرنا ان نتعرف عليه، فلا نلومه على ذلك.