الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 ما الذي يجعل قادة الاتحاد الاوروبي يحجمون عن السماح لتركيا بالانضمام إلى الاتحاد؟ تجدد هذا السؤال مرة اخرى الاسبوع الماضي عندما قرر القادة الاوروبيون مبدئياً قبول ترشيح عشر دول في شرق اوروبا لعضوية الاتحاد كانت حتى مطلع التسعينيات ضمن المعسكر السوفييتي الشيوعي المعادي للغرب الرأسمالي بينما ارجيء النظر ـ كما حدث في مرات سابقة ـ في ترشيح تركيا التي ظلت حليفا ثابتا للغرب لنحو 60 عاماً. والاجابة عن السؤال هي ان تركيا تبقى من وجهة نظر الغرب الاوروبي بلدا اسلاميا رغم العلمانية الاتاتوركية. فأوروبا تتوجس بعين المستقبل البعيد في استيعاب نحو 70 مليون مسلم حاليا يمكن ان يخرج منهم مستقبلا جيل جديد يرفض الاتاتوركية مستوحيا تراث تركيا وهويتها الاصلية كمركز لامبراطورية اسلامية عظمى امتدت رقعتها الجغرافية لعدة قرون شرقاً وغرباً حتى شملت جزءاً من اوروبا نفسها. بالطبع يحرص القادة الاوروبيون على عدم الجهر بالسبب الحقيقي لاعتراضهم على انضمام تركيا الى اسرة الاتحاد الاوروبي فيلجأون الى اسباب اخرى في مقدمتها التشدد في مطالبة القادة الاتراك باجراء اصلاحات سياسية كاسحة في مجالات التطبيق الديمقراطي وحقوق الانسان وسيادة القانون. هنا نكتشف لعبة خداع متبادل فلا القادة الاتراك ولا الحكومات الاوروبية جادون في رؤية تركيا ديمقراطية بالمفهوم والمستوى الغربيين. فهناك عدو مشترك سيكون المستفيد الاكبر من الحريات المدنية الواسعة التي يكفلها عادة نظام ديمقراطي كامل. هذا العدو هو التيار الاسلامي التركي الذي تتخوف منه طغمة الجنرالات الحاكمة في تركيا الملتزمة بالعلمانية الاتاتوركية بقدر ما تتخوف الطبقة الحاكمة في البلدان الاوروبية من انتشار هذا داخل اوروبا اذا سمح لتركيا بدخول عضوية الاتحاد الاوروبي. الوضع الراهن اذن ملائم لكل من الطرفين التركي والاوروبي. ولان كلا من هذين الطرفين لا يستطيع ان يجهر بنواياه الحقيقية فإنهما يتبادلان التخاطب في هذا الصدد بلغة النفاق. فالطغمة العسكرية التركية لا تستطيع ان تقول علنا انها ضد الاصلاح الديمقراطي. وبنفس القدر لا يستطيع القادة السياسيون في الاتحاد الاوروبي ان يقولوا علنا انهم ضد الاسلام، لكنها باتت لعبة مكشوفة. في سبتمبر الماضي أقر البرلمان التركي حزمة اصلاحات ديمقراطية على طريق استيفاء شروط الاتحاد الاوروبي على خلفية اقتراب موعد الانتخابات العامة في تركيا. ولكن لم تكد تمضي بضعة اسابيع حتى اصدرت لجنة الانتخابات قرار بمنع زعيم سياسي اسلامي من ترشيح نفسه. يتزعم رجب أردوغان «حزب العدالة والتنمية» وهو تنظيم سلمي له أجندة اسلامية يحرص على عدم اعلانها رسميا حتى لا يقع تحت طائلة القوانين العلمانية مما يؤدي حتماً الى حظره كما حظر قبله «حزب الرفاه» الاسلامي. ولذا لم تجد لجنة الانتخابات سببا لاقصاء اردوغان عن المنافسة الانتخابية الا عن طريق نبش دفاتر قديمة. فقبل خمس سنوات صدر حكم بالسجن على أردوغان عندما كان رئيسا لبلدية اسطنبول بسبب القائه قصيدة شعرية لشاعر من القدماء ورد فيها «ان حرابنا هي المآذن». وهكذا قالت لجنة الانتخابات في تبرير قرارها باقصاء هذا الزعيم الاسلامي انه «معروف باثارة الكراهية الدينية». مع ذلك لم يصدر احتجاج عن رئاسة الاتحاد الاوروبي تجاه هذا القرار عند صدوره، لكن قادة الاتحاد تمهلوا الى ان عقد اجتماعهم الدوري للنظر في طلبات الترشيح للانضمام الى عضوية الاتحاد.. هنا قال القادة الاوروبيون: ان السلطة التركية ليست جادة في تطبيق ما التزمت به من اصلاحات ديمقراطية . ومن ثم اتخذوا من هذا الحكم ذريعة لتأجيل النظر في طلب الانضمام التركي. ان رجب اردوغان زعيم ذو اجندة استقلالية تتضمن تحرير الاقتصاد الوطني التركي من الهيمنة الغربية. ويعلم القادة الاوروبيون بقدر ما يعلم جنرالات انقرة ـ الذين يعبترون ان مهمتهم الاولى هي حراسة المصالح الغربية في تركيا ـ أن اردوغان سوف يكتسح الانتخابات التركية بحزبه، وبالتالي سوف يكون رئيس وزراء تركيا المقبل. وهنا تلتقي رغبة الجنرالات مع رغبة القادة الاوروبيين في الحيلولة دون حدوث هذا التطور المخيف. ولابد ان خطورة الامر باتت جلية للجميع عندما اظهرت استطلاعات الرأي في تركيا ان الشعب التركي يفضل ان يكون اردوغان رئيس الحكومة. لكن يبقى سؤال، ماذا لو فاز حزب اردوغان بالانتخابات حتى في غياب زعيمه؟