الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 اسدل الستار على الجولة الاولى للانتخابات النيابية في البحرين يوم الرابع والعشرين من اكتوبر الجاري بفوز 19 مرشحا وانتظار 21 مرشحا للجولة الثانية في الواحد والثلاثين من هذا الشهر حيث يتنافس 42 مرشحا حصلوا على اعلى الاصوات في الدوائر الواحد والعشرين التي لم تحسم بعد. وقد جاءت الانتخابات والاجواء التي سادت قبل واثناء وبعد فتح صناديق الاقتراع لتؤكد على ان الخلافات بين الحكومة والقوى السياسية المقاطعة للانتخابات قد تم ادارتها بحكمة من قبل المقاطعين وبسعة صدر وتفهم من قبل المسئولين. فبالرغم من المواقف المتباينة، الا ان العملية سارت بشكل سلس ولم تسجل اية ارباكات امنية يوم الانتخاب وكان المقاطعون يدركون اهمية وصول رسالتهم الحضارية للرأي العام في الداخل، حيث وضعت الجمعيات السياسية الاربع التي قاطعت الانتخابات تحت مجهر المراقبة الرسمية والشعبية للتعرف على سلوك عناصرها وكان المراسلون الذين قدموا للبحرين يبحثون عن قصص واربكات قد تفرزها احتكاكات شهدتها بعض الساحات الاخرى بين المقاطعين وبين الحكومة وبعض الجمعيات المشاركة الا ان شيء من ذلك لم يحصل بل ان الاحتكاكات وبعض التوترات شهدتها بعض الدوائر نتيجة للتنافس بين المرشحين حيث كان الجو متوترا كلما اقتربت ساعة الحسم وفتح الصناديق. اسئلة المستقبل الآن وقد عبرت القوى السياسية والحكومة عن نضجها في التعاطي مع الخلافات التي سادت، الامر الذي يعزز المسيرة الاصلاحية التي اطلقها ملك البحرين واتسمت بها كل خطاباته السياسية منذ توليه السلطة في السادس من مارس 1999م ويضع اسسا جديدة لادارة الصراع خاصة وان الجمعيات السياسية المقاطعة قد اكدت مرارا عبر رموزها وقياداتها وبياناتها المشتركة بانها لن تلجأ الى اي اسلوب عنيف في مواجهة الاستحقاقات السياسية التي تترقبها البلاد مع بدء العمل البرلماني في شهرديسمبر المقبل. لكن السؤال الذي يدور في خلد الجميع: كيف سيتعاطى المقاطعون مع هذه القضايا وهم خارج المؤسسة البرلمانية؟ والسؤال يوجه ايضا للمشاركين الذين وصلوا قبة البرلمان: ماذا سيفعل البرلمانيون في مؤسسة نصفها منتخب ونصفها معين؟ ان من ينظر لخريطة مجلس النواب البحريني بعد جولته الاولى والثانية سيلاحظ ان اغلب العناصر التي وصلت تنتمي للاسلام السياسي، وحيث ان اكبر جمعية سياسية في الطائفة الشيعية قاطعت الانتخابات فان اولئك الذين ينتمون للجمعيات السياسية السنية هي التي حصدت نسب مهمة من مقاعد البرلمان وخاصة القوى السلفية وهؤلاء لايخفون سعيهم «لشرعنة» كل القوانين العاملة في البلاد وجعلها متوافقة مع الشريعة الاسلامية. هذه التركيبة قد تثير بعض القلق الرسمي الذي ينظر بحذر لهذه النتائج التي قد تقود الى توترات البرلمان مع الحكومة تجاه قضايا داخلية (تطبيق الشريعة ومنع بيع الخمر والدعوة للاختلاط) وقضايا خارجية (تتكثف في العلاقة مع الولايات المتحدة) كما يلاحظ ان اغلب العناصر التي وصلت البرلمان هي عناصر غير معروفة واغلبها لم يشتغل بالشأن السياسي العلني مما يصعب تقييمها ومعرفة قدرتها على مواجهة القضايا التي ستثار في المجلس من جهة وامكانية مجاراتها للعناصر التي ستعينها الحكومة والتي من المتوقع ان تكون اكثر هوة وقدرة على طرح الرأي الرسمي والدفاع عنه من العناصر التي تم انتخابها من جهة ثانية. والحقيقة ان غالبية المرشحين وكموقف عام عند البحرينيين وحتى قبل يوم الانتخاب، لايتمتعون بقوة في الطرح حيث كشفت المقابلات الصحفية والتلفزيونية عن ضعف الغالبية العظمى منهم لكن الاحتكاك وارد في المجلس القادم ليس بسبب سياسي او دستوري اذ ان غالبية من دخل ومن ترشح للجولة الثانية متوافق مع الطروحات الرسمية في المسألة الدستورية والملاحظات على دستور 2002م الذي جاء جديدا بكل مافي الكلمة من معنى مقوضا روح دستور 1973 الذي كان تجميد بعض مواده الاساسية منذ العام 1975، ارضية لانطلاق المعارضة الدستورية منذ اكثر من ربع قرن بيد ان الاحتكاك سيكون لاسباب اخرى يقف على رأسها مرئيات الاسلام السياسي السني لموضوعة العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية وعلاقة بعض القوى التي دخلت المجلس ـ فكريا على الاقل ـ مع التنظيمات الاسلامية، وهنا سيواجه الحكم في حال تعزيز مسار التيار السلفي في الجولة الثانية من الانتخابات. وفي الجانب الداخلي ثمة برنامج اجتماعي بدأت هذه القوى ـ السلفية ـ في التسخين لطرحه منذ اليوم الاول لفوزها، فقد صرح رئيس جمعية الاصالة ورئيس جمعية التربية الاسلامية الشيخ عادل المعاودة بان جمعيته تتعرض لضغوطات «لمنع الاتجار بالخمر في البحرين وانه لابد من الاستجابة لهذه المطالب اذا اردنا ان نكون ممثلين صادقين». يضاف لذلك تهيؤ المجموعات السياسية والمدنية لمناقشة قانون الاحوال الشخصية بصورة ساخنة ندخل فيها الجمعيات السياسية التي دخلت البرلمان وتلك التي قاطعته ناهيك عن الجمعيات السياسية التي كانت تطالب بسن قانون للاحوال الشخصية قادر على مواجهة العديد من الاشكاليات التي تواجهها المرأة في ساحات المحاكم الشرعية. وكان هذا المطلب مرفوعا منذ اكثر من عقدين وسوف يستكمل هذا الجدال بموضوعة الاختلاط في الجامعة وفي الاماكن العامة الامر الذي ترفضه التيارات الليبرالية واليسارية والقومية الى جانب الجهات الرسمية بالمملكة. مفصل تاريخي لقد غرق البحرينيون خلال الاشهر القليلة الماضية في عمق القضايا المحلية نظرا لاستحقاقاتها الداخلية ولم يدر في خلدهم احتمال تأجيل الانتخابات النيابية استنادا على الوضع الاقليمي كما حدث في الاردن، لكن الاحتمال الضئيل هو التأجيل انطلاقا من الاستجابة للمطالب التي رفعتها الجمعيات السياسية الاربع المقاطعة للانتخابات والتي طالبت فيها بتأجيل الانتخابات لمزيد من الحوار بين الحكم والقوى التي وجهت ملاحظاتها على الدستور الجديد او تحول مجلس النواب الى جمعية تأسيسية تناط بها مهمة منافسة الدستور ورفع نتائج الملاحظات للملك للتصديق عليه ليجري بعد ذلك العمل بصيغة المجلسين والصلاحيات بناء على ما يتوصل اليه من نقاشات في الجمعية التأسيسية. اما السؤال الموجه للمعارضة المقاطعة للانتخابات فقد تكرر على ألسن الصحافيين الذين جاءوا لتغطية الحدث التاريخي، وكان الجواب الذي يتكرر ايضا من القوى هذه يتكثف حول الاصرار على المشاركة في الحياة السياسية من خلال طرح القضايا الكبرى مثل البطالة وازمة السكن والبيئة والتعليم والصحة ومستوى الاجور، اضافة الى العمل على توسيع الرأي المنتقد للتعديلات الدستورية وتتهيأ هذه القوى لطرح مسودات برامجها خلال الفترة القليلة المقبلة مؤكدة على سلمية وقانونية اي نشاط تعتزم القيام به مستندة في ذلك على قاعدتها الجماهيرية الكبيرة التي مارست حضورها في الندوة الجماهيرية الكبرى التي نظمتها هذه الجمعيات قبل يومين من الانتخابات النيابية حيث حضرها مايزيد على السبعين الف شخص. وانتهزت هذه الجمعيات الفرصة لتؤكد قدرتها على تنظيم ندوات بهذه الضخامة والحشد دون حادث سير بسيط ودون اخلال بالامن والاستقرار وكأنها ارادت توجيه رسالة للجهات الرسمية عن طبيعة نشاطها في المرحلة المقبلة، كما جاءت الانتخابات بساعاتها الاثنتي عشرة لتخلو من اي احتكاك بين المقاطعين والمشاركين، اذ اكدت جمعيتا حقوق الانسان والشفافية البحرينيتين خلو مراكز الاقتراع ومحيطها من عناصر الجمعيات المقاطعة ولم تسجل اية حادثة من هذا النوع. الا ان الموضوعة المثيرة للجدل تتمحور الآن حول حرية التعبير فخلال الحملات الانتخابية تحولت الصحافة المحلية والفضائية والاذاعة الى موقع لترويج برامج المرشحين ودعم مسألة المشاركة في الوقت الذي حجبت هذه المواقع على الجمعيات المقاطعة مما اعتبر انتقاصا للحريات العامة. نخلص الى القول بان المفصل التاريخي الذي كان البحرينيون ينتظرونه قد خرج بانقسام الشارع المحلي بين مشارك ومقاطع، ماثلا امام الجميع. لكن المؤكد ان جميع القوى تؤكد تأييدها للاصلاحات الجذرية التي اتخذت، من تبييض السجون وعودة المنفيين والغاء قانون امن الدولة فيما كان الخلاف على ما ينظر اليه البعض بانه انصاف حلول ويرى فيها خطورة على المشروع الاصلاحي برمته. ـ كاتب بحريني