الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 قد لا تكون عملية الحادي عشر من سبتمبر اكثر من انعكاس لواقع العرب وحالهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي، فشعور العالم العربي بالتهميش والضعف، والذي يعبر عن ذاته تجاه الولايات المتحدة. هذا التناقض الكبير والشعور بأن دولة واحدة في العالم تستأثر بالمقدرات والقرارات والقدرات، بينما العالم العربي وهو لب العالم الاسلامي يرزح تحت نير اللاتنمية والضعف والهشاشة والبيروقراطية واحتلال في فلسطين وأزمة في العراق قد ساهم في إفرازات سياسية من بينها خلق منظمات كالقاعدة وعشرات غيرها من قواعد العالم العربي والاسلامي، فالقاعدة ليست غريبة على بيئة كبيئتنا فيها الكثير من الدخان والكثير من النيران والكثير من الاستئثار بالسلطة. والقليل من الحقوق السياسية والحرية والنظام والانتظام والسرعة والابداع والتنمية. في ظل أوضاع كهذه وفي ظل فشل عربي أوسع في التعامل مع الصراع الاسرائيلي ـ العربي، وفي ظل فشل عربي آخر في التعامل مع المسألة العراقية، من الطبيعي ان تتعمق في بلادنا تيارات الغضب أكانت تأخذ الآن طابعاً اسلامياً أو أخذت في السابق طابعاً قومياً أو طابعاً يسارياً. ولكن الغضب الاسلامي يختلف عن الغضب القومي. فالغضب الاسلامي فيه من نكهة التاريخ، وفيه ما يصل الى أعمق مستويات المجتمع وأكثر فئات المجتمع ريفية أو صحراوية. الغضب الإسلامي بمعنى آخر يصل للجميع ويصل للأغلبية التي تشعر انها لم تجن شيئاً من التقدم والتغير والتعليم والفرص المتاحة لنخبة من الناس في مجتمعنا. وليس غريباً أن تبرز تيارات القاعدة وتتضاعف في زمن العولمة، فالعولمة سرّعت من نمو منظمات من هذا النمط. لأن العولمة جعلت التقارب بين الأمم أمراً ممكناً وزادت من القدرة على ان ترى كل أمة الأخرى عن قرب، كما سهلت من عملية بناء الشبكات والعلاقات وطرق الانتقال للأفراد والأموال والجماعات بين عشرات الدول. ليس غريباً أيضاً ان تكون العولمة ذاتها والتي تتضمن مجيء عشرات الشركات الدولية الى منطقتنا بما فيها ستاربوكس وماكدونالد والأموال الجديدة، كأحد أسباب الغضب الجديد في الشارع الاسلامي والعربي. ففي بلادنا العربية استفادت فئة من الناس من العولمة بينما لم تستفد بقية فئات المجتمع. فقد استأثرت أقليات عائلية أو أسرية أو حتى طائفية أو قبلية بالسوق الحرة والمفتوحة على حساب أغلبية ترى انها بعيدة عن كل هذا الاستئثار بالامتيازات ليس جديداً في العالم. ففي آسيا تسيطر أقلية صينية على الكثير من المقدرات والتجارة، وفي أميركا اللاتينية تسيطر أقليات بيضاء على السوق، وفي أفريقيا الغربية يسيطر فريق من المهاجرين على مقدرات التجارة، وفي نيجيريا تسيطر قبيلة الايبو، وفي بلادنا تسيطر أسر أو عائلات مالكة أو تجارية على الأسواق. إن هذا يؤدي لردة فعل ضد العولمة ويؤدي لتيارات سلبية ترفض العولمة باسم العدالة والمساواة. أما من جهة أخرى، فالديمقراطية كنظام سياسي والتي تجعل كل فئات الشعب تساهم في الانتخابات، سرعان ما تفتح الباب والمجال لغضب الأغلبية التي تشعر بالانعزال عن مجالات العولمة. فلو نظرنا لأية دولة فيها سوق حر وفيها بالوقت نفسه محاولات لبناء الديمقراطية سنجد انها سوف تصطدم بغضب الأغلبية وبمواقف التيارات الشعبية التي تعبر عن أطراف المجتمع الشعبية. وبطبيعة الحال فإن هذا النمط من الغضب مدمر وهو في الجوهر يسعى لقلب الأمور دون ان يمتلك وضوح الرؤية. فلو أخذنا مجلس الأمة في الكويت لوجدنا شيئاً من هذا القبيل: احتجاج دائم من قبل أغلبية عددية وشعبية، وفي الوقت نفسه لو نظرنا لتجارب شبيهة كثيرة لوجدنا ذات العملية تتفاعل: الديمقراطية في ظل لا ديمقراطية الاقتصاد والسوق سرعان ما تؤدي الى الكثير من الفوضى وربما الانفجار (لبنان في السبعينيات والجزائر في التسعينيات). في هذا يقع التناقض بين السوق الحرة التي تستأثر بآلياته الأقليات وأصحاب الامتيازات، والديمقراطية التي تفجر طاقات الأغلبيات وقدرات الفئات الشعبية. أما في الدول التي تستأثر فيها الأقليات بالثروات والإمكانيات بينما تعزل الأغلبية عن القرار، فتتحول بحد ذاتها الى قنابل موقوتة تنتظر انفجاراً مفاجئاً كما كان الحال في ايران في زمن الشاه. إن المخرج من كل هذا لن يكون ممكناً إلا من خلال السعي نحو عولمة أكثر انسانية وسوق أكثر اعترافاً بحقوق الأغلبية. هذا يعني انه على المؤسسات الكبرى وعلى الأقلية التي تستأثر بالسياسة والاقتصاد والسوق الحرة ان تقدم الكثير للأغلبية من خلال برامج التعليم الجيدة والمساعدات التنموية والضرائب الكبيرة التي تخدم الناس، اضافة الى زيادة السعي الى الاستثمار الوطني الذي يوظف الأغلبية ويدفعها نحو العمل والابداع. هذا يتطلب الكثير من اعادة النظر بالعلاقة بين الاقتصاد الحر وبين الديمقراطية والتعليم والتدريب والحقوق، وذلك لصالح التركيز على المساواة أمام القانون والمساواة في الفرص وغيرها من الشروط التي بدونها يقع التدمير المحلي. إن الديمقراطية الشكلية لا تنفع في مواجهة مشكلات الانفجار المؤجل، إلا إذا وقعت تعديلات جوهرية في بنية الاقتصاد والاحتكار وعلاقة الاغلبية بالأقلية والتعليم بالمواطنة. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة الكويت