الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 يظهر ان الدول العربية غير مدركة للمخاطر والخطط والسيناريوهات التي تطبخ في العواصم الاميركية والاوروبية وتهدد كيانها ومستقبلها. وعدم ادراكها هذا يرجع اساساً الى حالة التشرذم والتشتت واليأس والمشكلات التي تتخبط فيها، فتحولت الى لقمة سائغة تتكالب عليها القوى الدولية. وكان التاريخ يعيد نفسه اليوم، فما تمر به المنطقة العربية شبيه بما كان الحال عليه قبل الحربين العالميتين الاولى والثانية، فوقتها استغلت القوى الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا آنذاك) ضعف الدول العربية، فجزأتها بالمسطرة والقلم وحولتها الى مستعمرات ومحميات ونهبت خيراتها وثرواتها، واليوم بدأت بوادر اعادة احتلال المنطقة العربية كلها من المحيط الى الخليج، ولم تخف الصحف الاوروبية والاميركية ذلك، وان كان احتلال اليوم غير احتلال الامس، فاليوم توظف الامم المتحدة والحرب على ما يسمى بالارهاب الدولي لتغيير الانظمة بالقوة العسكرية وفرض الامر الواقع وارغام اي دولة عربية على الامتثال للقرارات الدولية التي صاغتها القوى الكبرى، وفي حالة رفضها الدعوات الاميركية تفرض عليها عقوبات اقتصادية. ان القاء نظرة متفحصة للواقع العربي اليوم يؤكد لنا ما نذهب اليه في تحليلنا، من ان القوى الدولية الكبرى، الولايات المتحدة الاميركية ودول الاتحاد الاوروبي على حد سواء، تتكالب على المنطقة العربية، فبعد 11 سبتمبر التي اتخذت ذريعة لتمرير مخططات سرية كانت جاهزة مسبقاً، اتهمت المنطقة العربية بضلوعها في الارهاب بطريق مباشر او غير مباشر، وتعرضت المملكة العربية السعودية لحملة هجوم ضارية بزعم ان بها عدد من السعوديين يؤيدون الارهاب. وكان المقصود من الحملة تشويه سمعة المملكة امام الرأي العام الدولي على اعتبار ان السعودية قبلة للعرب والمسلمين وبلد معروف بتمسكه بالثوابت العربية وبلد لم يتنازل يوماً عن الحقوق العربية المهضومة، فوجدت الولايات المتحدة الاميركية وبايعاز خفي من الايادي الاسرائيلية الوقت مناسباً لتشويه سمعة هذا البلد العربي الاصيل، وذلك لدفع القيادة السعودية لأن تتنازل عن مواقفها وتعيد النظر في سياستها العدائية لاسرائيل، على الرغم، من ان المملكة طرحت مبادرة جريئة وافقت الدول العربية عليها لانهاء الصراع في الشرق الاوسط، لكن اسرائيل التي قادت الحملة ضد المملكة، وجدت نفسها في موقف حرج للغاية، فالمبادرة السعودية كشفتها على حقيقتها بأنها ترفض السلام مع العرب بل انها تطالب بالمزيد من الاراضي، لانها كياناً استعمارياً دخيلاً على المنطقة العربية. وبعد المملكة اثيرت قضية العراق وعدم امتثاله للقرارات الدولية، وظهر العالم كله بأن النوايا الاميركية ابعد من ملف نزع السلاح، بل اعلنتها صراحة الادارة الاميركية، بأنها تريد تغيير النظام القائم الحالي واقامة نظاماً موالياً لها وتثبيت قواعد عسكرية داخل العراق، ومعنى ذلك، ان دولاً عربية اخرى، سوف تحذو حذو العراق لأنها متهمة بمساندتها لما اسمته بالارهاب الدولي او بوقوفها ودعمها للقضية الفلسطينية. وفي الاعتقاد الاميركي ان اي دولة عربية تساند القضية الفلسطينية وان ذلك يعني فيما يعنيه لها انها تساند الارهاب، لأن المقاومة الفلسطينية في القاموس الاميركي الجديد تعد شكلاً من اشكال الارهاب ويتوجب في هذه الحالة القضاء عليه، لذلك بدأ الحديث يجري عبر وسائل الاعلام عن امتلاك سوريا لاسلحة دمار شامل وبمساعدتها لجماعات فلسطينية ولبنانية (ارهابية)، وهذا الحديث يعد مؤشراً ورسالة موجهة الى سوريا بأنها سوف تكون محطة قادمة بعد الفراغ من الملف العراقي، فإما على سوريا الانصياع للأوامر الاميركية ـ الاسرائيلية وكشف ما يعتقد انها تخبأه في اراضيها من اسلحة تثير قلق اسرائيل، واما سوف تحاصر وتتهم بالارهاب الدولي. ولا يختلف حال العراق وسوريا عن حال السودان الذي لاتزال تتكالب عليه ايادي طامعة في خيراته وراغبة في ابقائه في حرب اهلية لا نهاية لها، فقد اعلنت الادارة الاميركية عن قرارها فرض عقوبات عليه لسبب بسيط انه يرفض التوقيع على اتفاق (استسلام) لشروط الجنوبيين الذين يلقون دعماً اميركياً، فما معنى ذلك؟ معنى ذلك ببساطة ان على الدول العربية ان تعيد حساباتها السياسية من اسرائيل وتقبل بالامر الواقع، وفي حالة رفضها هذا المر الواقع ستفرض عليها قرارات ترغمها على قبوله، هذا ما يحصل مع الدول العربية، لكنها غير قادرة على قول كلمة (لا) لأنها كما قلنا تعيش الشتات والتشرذم الذي عاشته قبل الحربين العالميتين الاولى والثانية، وحتى ان افترضنا ان الولايات المتحدة الاميركية غيرت النظام العراقي ونصبت حاكماً عسكرياً او مدنياً موالياً لها، فليس في مقدرة اي بلد عربي ان يوقفها او يقول لها انك تجاوزت الخطوط الحمر، بل حتى لو شاركت اسرائيل في الحرب على العراق، كما تصر على ذلك علانية، لن نتجرأ على معارضتها. هذه حقائق يجب ان نعترف بها ولا نخفيها ولا نخجل من قولها، لأن حالنا لا يقبل التستر عليه اكثر، والطامة الكبرى اننا ضربنا في عمقنا الاستراتيجي فأصبنا بخلخلة جعلتنا غير قادرين على فهم ما يحيط بنا وما يحاك حولنا، وتحولنا الى لقمة سائغة بين ايادي الغير، اميركيون واوروبيون على حد سواء، واذا كنا نعتقد ان الاوروبيين يدعموننا ويرفضون السياسات الاميركية والاسرائيلية نكون في هذه الحالة كذلك سذجاً، لأن اوروبا تعارض الولايات المتحدة الاميركية لأن هذه الاخيرة تريد الاستحواذ على العالم كله اولها المنطقة العربية، بدليل ان الولايات المتحدة ترفض اشراك اوروبا في الترتيبات الجارية لاقامة نظاماً دولياً جديداً. فهل يحين الوقت للنهوض من هذا السبات العميق ام ننتظر الى حين ننقرض من عالم الدول؟ ـ كاتب جزائري