الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 في الوقت الذي كان ايديولوجيو العولمة يؤكدون أن اليسار السياسي انتهى في العالم بسقوط الاتحاد السوفييتي وتحوله إلى دويلات مسكينة لا حول لها ولا قوة، واتجاه دول المعسكر الاشتراكي القديمة إلى الارتماء في أحضان الرأسمالية، باعتبارها النظام الوحيد الذي يمسك بالعصا السحرية التي تساعدها على حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن سوء تطبيق سياساتها السابقة، قرر الشعب البرازيلي انه جرب الرأسمالية بكل أنواعها من معتدلة إلى متطرفة بما فيه الكفاية، وتأكد له أنها فشلت جميعها في تخفيف تحقيق أحلامه، بل زادت من حدة الفقر الذي يعيشه معظم أفراد الشعب في ظل وجود الشركات متعددة الجنسية، وملكيات من الأراضي الشاسعة لا تزال تذكر بوجود البلاد في زمن الإقطاع. لذلك ذهب الشعب البرازيلي هذه المرة إلى صناديق الاقتراع وكله إصرار على إبعاد اليمين عن الحكم بأي ثمن، حتى لا تتكرر الأزمات الاقتصادية التي حدثت خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس انريكي كاردوسو والتي تم تسكينها مؤقتا بمزيد من الاقتراض من صندوق النقد الدولي، مما زاد من أعباء الديون الخارجية، وتحولت البرازيل إلى أكبر دولة مدينة في العالم. كان الإصرار الشعبي على اختيار مرشح مختلف هذه المرة لا يقل عن إصرار زعيم النقابات العمالية اليساري «لويس اناثيو دا سيلفا» الشهير باسم «لوولا دا سيلفا» في تحقيق حلمه في أن يصل إلى مقعد الرئاسة في البرازيل، بعد فشله في تحقيق هذا الحلم خلال الدورات الانتخابية الثلاث السابقة التي كان فيها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هذا الحلم، إلا أن فشله في الدورات الثلاث السابقة لم يكن بسبب افتقاده للمقومات التي يجب ان تتوفر في مرشح الرئاسة بقدر ما كان بسبب الضغوط الداخلية التي مارسها رجال الأعمال والإقطاعيون، والخارجية التي مارستها الولايات المتحدة مستخدمة صندوق النقد الدولي وتهديداته بوقف ضخ المزيد من المال إذا فاز أي مرشح يساري بالرئاسة. بل أن هذا التخويف وصل إلى حد نشر إشاعات عن توجهات لوولا دا سيلفا «الشيوعية»، وهي شيوعية متخيلة مثل كل الاتهامات التي تلقيها تلك المؤسسات ضد كل من ترى فيهم خطرا على مصالحها ومكاسبها المادية، فلم يكن معروفا عن هذا المرشح أنه انتمى في يوم من الأيام لأي من التنظيمات الشيوعية السرية أو العلنية في البرازيل، وأنه لم يكن سوى مجرد عامل بسيط في أحد مصانع الحديد والصلب، جاء من عائلة فقيرة معدمة، عاش سنوات حياته الأولى متقلبا بين أعمال لا أهمية لها: من بائع متجول إلى عامل أجير وحتى ماسح أحذية في شوارع مدينة ساو باولو المرعبة، وأن وصوله إلى رئاسة اتحاد النقابات العمالية لم يكن بسبب الانتماء السياسي بقدر ما جاء مدفوعا بقوة البحث عن حلول للمشاكل الملحة التي تعيشها الطبقة الدنيا التي ينتمي إليها، ولم ينكر انتماؤه إليها في أي وقت من الأوقات. ويفسر المراقبون أن عدم فوز مرشح حزب العمال الاشتراكي البرازيلي في الجولة الأولى من الانتخابات على الرغم من تأكيد استطلاعات الرأي لشعبيته الساحقة يعود إلى وجود مرشحين آخرين تقدموا ببرامج انتخابية مشابهة لبرنامج «لوولا دا سيلفا» أكثر منه نتيجة لاستمرار التخويف من توجهاته اليسارية، أي أن الناخبين كانوا يبحثون عن التغيير باتجاه اليسار، ومن هنا كان فوزه في الجولة الثانية بأغلبية ساحقة خلال الانتخابات التي جرت الأحد الماضي، نظرا لجمعه للأصوات التي تفرقت بين المرشحين اليساريين الآخرين الذين تنافسوا خلال الجولة الأولى، لأن مرشح اليمين حصل على نسبة ضئيلة خلال هذه الجولة، ولكنها في النهاية لم تكن بعيدة عن نسبة الأصوات التي حصل عليها خلال الجولة الأولى، أي أن هذه الانتخابات أثبتت تراجع اليمين بشكل عام. فوز المرشح اليساري «لوولا دا سيلفا» وحصوله على اكثر من 52 مليون صوت، بنسبة تزيد على 61 في المئة من عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم، أكدت أن اليمين السياسي في أميركا اللاتينية فقد لأول مرة قيادة أكبر دولة في المنطقة وأكثرها ثقلا من الناحية الاقتصادية، إذ يمثل اقتصاد البرازيل حوالي 40 في المائة من مجموع اقتصاد دول أميركا الجنوبية، ويستحوذ اقتصادها على استثمارات 450 شركة من مجموع أكبر 500 شركة في العالم، وتعتبر سوقا مهمة لأي منتج نظرا لتعداد سكانها البالغ عددهم 170 مليون نسمة. على الرغم من الدور الذي مارسه اتحاد البنوك البرازيلي في تخويف الجماهير من التصويت لمرشح حزب العمال الاشتراكي، إلا أن هذا الفوز الساحق للمرشح اليساري جعله يخضع للأمر الواقع ويتخلى عن شعاراته المعلنة بإصدار بيان يهنئ فيه الرئيس الجديد، ويعلن استعداده للتعاون معه من اجل الخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعملة الوطنية خلال السنوات القليلة الماضية، وازدادت حدتها خلال الأشهر الأخيرة من حكم الرئيس اليميني انريكي كاردوسو، وبعد أن تبين مدى الدعم الشعبي الذي يتمتع به المرشح اليساري خلال الحملة الانتخابية بسبب هجومه الشرس على البنوك ورجال الأعمال خلال تلك الحملة، حيث وصفهم بأنهم مصاصو دماء الشعب البرازيلي، ودعاهم إلى التخلي عن جشعهم والتخلي عن بعض أرباحهم للأخذ بيد الفقراء الذين يمثلون أغلبية صامتة ومنسية. تجنبا لأي صدام بين توجهات الرئيس البرازيلي الجديد التي تركز على الجانب الاجتماعي المهمل منذ قرون طويلة، كانت أول تصريحاته دعوته الصريحة والمباشرة لرجال الأعمال والشركات من جانب، والنقابات العمالية الصناعية والزراعية من جانب آخر للبحث عن صيغة جديدة للتعايش، تضمن لحكومته تنفيذ برنامجها الاجتماعي الطموح الذي يهدف إلى توفير الحياة الكريمة لأكبر عدد ممكن من أبناء الشعب البرازيلي، وأشار إلى أنه لو استطاع أن يوفر ثلاث وجبات غذائية لكل مواطن يوميا سيكون قد حقق هدفه الذي ناضل من اجل تحقيقه خلال السنوات الاثنتين والعشرين الأخيرة من حياته التي كون فيها حزب العمال، وقاده ليكون طليعة الطبقة العاملة في البرازيل وأميركا الجنوبية. إلا أن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس البرازيلي المنتخب «لوولا دا سيلفا» حول تمسكه بالشرعية الدولية، وضرورة تقوية دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، ودعوته إلى دعم محكمة الجرائم الدولية، ووضع الاتفاقيات الدولية الخاصة بالبيئة مثل اتفاقات كيوتو وجوهانسبرج، ورفضه لأي تكتلات اقتصادية وسياسية تخضع لسيطرة الولايات المتحدة، مثل مشروع السوق الحرة التي كانت تدعو إليها أميركا مع عدد من الدول المهمة اقتصاديا في أميركا الجنوبية، جعلت واشنطون تنظر بعين القلق تجاه هذا المتغير الجديد الذي يعني زيادة متاعبها في القارة الأميركية الجنوبية، خاصة بعد أن فاجأ الرئيس البرازيلي الجديد الجميع بإعلانه عن تشكيل سياسي جديد في أميركا اللاتينية اسماه «محور الخير»، يضم البرازيل وكوبا وفنزويلا في مواجهة التوجه العدواني الأميركي على شعوب العالم، ويعتبر ردا على «محور الشر» الذي اخترعته الولايات المتحدة لتمرير سياساتها. لذلك يرى المراقبون أنه لا ينتظر أن تقف واشنطون مكتوفة الأيدي تجاه مثل هذه التوجهات السياسية، ويتوقع أن تحاول إغراء الرئيس الجديد بالانضمام إلى استراتيجيتها الحالية، أو تعامله كما تعامل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو والرئيس الفنزويلي هوجو تشابث اللذين يتعرضان لمؤامرات متوالية للإطاحة بهما، وإبعادهما عن الساحة السياسية في أميركا اللاتينية التي تعتبرها واشنطون فناءها الخلفي الغير مسموح فيه بأي خروج على خطوط سياستها الاحتوائية. من هنا يرى المراقبون أن نجاح الرئيس البرازيلي الجديد في انتهاج سياسة مستقلة بعيدا عن التبعية الأميركية ستتوقف إلى حد كبير على قدرته على إرضاء المجموعات السياسية المحيطة به والتي لعبت دورا في دعمه خلال حملته الانتخابية، لأنه لم يفز فقط بأصوات منتمية إلى حزب العمال الذي يمثله بل فاز بفضل دعوة العديد من التجمعات والأحزاب السياسية الأخرى التي رأت فيه قدرة على إبعاد مرشح الحزب الحاكم وإبعاد السياسة الوطنية عن أحد الأحزاب التقليدية التي لم تقدم للبرازيل أي إنجاز اجتماعي يذكر، ولم تستطع أن تحل مشكلة الديون المستعصية. ربما لهذا السبب شدد الرئيس البرازيلي المنتخب على دور البرلمان في الحياة السياسية لبلاده، باعتباره يمثل إرادة الشعب، وهذا ما فسره المراقبون على أنه محاولة ذكية منه لقطع الطريق على مجموعات الضغط الخارجي التي قد تحاول خلق مشاكل بينه وبين البرلمان والأحزاب المعارضة الأخرى حول برنامجه الاجتماعي، وتحاول أن تستغل الخلافات لاتهامه بأنه «دكتاتوري» أو «غير ديمقراطي»، كما هو الحال مع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، أو الرئيس الفنزويلي هوجو تشابث الذي كل ذنبه أنه يريد لبلاده استقلالية في القرار بعيدا عن هيمنة البيت الأبيض. إلا أن جميع المراقبين يشددون على أن نجاح الرئيس المنتخب «لوولا دا سيلفا» في إدارة الوضع الاقتصادي المتأزم في البرازيل والبحث عن علاج له سيكون مربط الفرس في نجاحه في خلق حالة سياسية جديدة في جنوب القارة الأميركية اللاتينية، خاصة أن الدول المجاورة كالأرجنتين والاوروجواي والباراجواي تعيش أزمات مماثلة، ونجاح اليسار في التوصل إلى علاج للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ربما يدفع الشعوب الأخرى إلى البحث عن حلول مماثلة عبر أحزاب يسارية بعد أن غرق اليمين السياسي في أزمة حقيقية سببها الفساد المالي والإداري الذي مارسته الحكومات المنتمية إليه، أو الإصرار على التبعية الواضحة لواشنطون من خلال استخدام الدولار الأميركي كعملة رسمية، أو الدعوة إلى ذلك، وان كان البعض يرى أن السياسة المعلنة للرئيس البرازيلي المنتخب «سباحة ضد التيار» في ظل سيطرة رؤوس الأموال الأجنبية على اقتصاد البلاد التي يقودها. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا