الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 من شأن النجاح الذي حققته مؤسسة ديزني ان يفتح الباب لعشرات الاسئلة الهامة حول الاسباب والعوامل التي لعبت دورا رئيسيا في الانتشار السريع للعروض الكرتونية، وثقافتها التي تجاوزت بيئة مصنعيها، وعبرت الينا دون استئذان، وفرضت نفسها وكأنها القدر الحتمي الذي لا نملك معه الا الخضوع والاستسلام او الحوقلة والاسترجاع، وضرب الاخماس بالاسداس حسب رأي فريق من حسني النوايا والمخلصين من ابناء هذه الأمة، الذين اعتقدوا ان التعبير عن الاستياء والنقد الشفوي يكفيان لتخليصهم من الحرج الذي قد يقعون فيه اذا ما آثروا الصمت، وكفوا عن الكلام. وكأن النقد بمفرده قادر على تغيير الاوضاع او ايجاد بدائل مناسبة يكون الاعتماد عليها في اثراء حياة الطفل، واكسابه قدرا من الخبرات الاجتماعية والتعليمية الصحيحة. كما ان الغالبية من افراد الجمهور المتعاطي لهذا النوع من الانتاج الفني رحبوا بكل تلك العروض والافكار، ورأوا فيها النموذج الجديد القادر على تلبية طموحهم في ايجاد بيئة ترفيهية لابنائهم تملأ ساعات الفراغ الطويلة التي لايعرفون ماذا يفعلون بها، واذا بعالم ديزني يطل عليهم ليصحبهم في جولات يومية اشعرتهم بالبهجة وكسرت شعورهم بالرتابة والملل. وقد صاحب هذا المشهد الذي يعكس حالة الذهول او الشعور بالصدمة لدى فريق محدود، او الترحيب والتأييد لدى فريق ثان من الافراد حالة من اللامبالاة على المستوى الرسمي الذي بدت كافة مؤسساته المعنية بشئون الطفل وكأنها في شغل شاغل عن توفير ادنى مستويات الانتاج البرامجي الخاص بالاطفال!! وكان طبيعيا ازاء هذه السلبية المتنامية تجاه هذا الغزو الثقافي المتوالي على المنطقة ان ينجح ابطال ديزني في السيطرة على عقل الطفل، واقناعه بقيمة الادوار التي يؤدونها في تلك العروض. وعودة الى الاسباب والعوامل التي دفعت بتلك البرامج الى الصدارة والتفوق على مستوى دول العالم يبرز دور الارادة والتصميم في تحقيق الاهداف الطموحة كمحرك اساسي لاعمال ديزني. واقرب مثال على تلك الارادة الصلبة التي تمتع بها صاحب تلك المؤسسة الشهيرة ما حدث له في منتصف الاربعينيات حين كادت مؤسسته ان تعلن افلاسها بعد ان قطع البنك الاميركي قرضا عنها في عام 1940 على اثر الفشل الذريع للفيلم الكونسيرتو (فانتازيا). وقد حاول ديزني ان يلتقط انفاسه رغم تلك المحنة ولجأ الى الاقتراض من رجل ثري يدعى (هوارد هوجنسي) الا ان ذلك لم يكن كافيا لانقاذ مؤسسته المشرفة على الانهيار نتيجة ضعف الامكانيات المادية التي بدأت في التراجع اثناء الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من آثار سلبية شملت مختلف جوانب الحياة في اوروبا التي كانت ومازالت تمثل احد اكبر الاسواق المستوردة لانتاج ديزني. ولم يكن الحال في الداخل افضل وضعا من السوق الخارجية حيث عانى الاستوديو الخاص بهذه المؤسسة من تراجعات مهمة في السوق الوطنية خلال تلك السنوات نتيجة لاستيلاء الجيش عليه بهدف صنع افلام للترفيه، وتصميم تدريبات للطيران. وقد كانت كل هذه الاعمال مجانية، وساهمت في زيادة ارباك الوضع المالي للمؤسسة وازاء هذه الظروف غير السارة قرر ديزني القيام بخطوة نقلت اعماله في اتجاه آخر، ووضعته على الطريق الصحيح. فقد فتح باب مؤسسته للنخب الفنية من مؤلفين ورسامين فائقي الشهرة والنجاح. وقد مثلت هذه الخطوة في ذلك التوقيت الزمني الحرج طوق النجاة لتلك المؤسسة الآيلة الى السقوط، بل واصبحت العصا السحرية التي حركت مشاريع ديزني نحو نجاح فريد لم تقو أي مؤسسة منافسة على مجاراته ناهيك عن التفوق عليه!! ان الطريق امام تلك المؤسسة لم يكن مفروشا بالورود والرياحين، كما انه لم يكن متوقعا له مثل هذه السيطرة العالمية على سوق الانتاج الاعلامي الترفيهي لو كانت الاحلام محدودة والمغامرة مفقودة، او لو لم تكن ارادة التحدي والفوز في نفوس القائمين على هذه المؤسسة بنفس الدرجة والقوة!! وفي الغد سنحاول عرض المزيد من الاسباب التي ادت الى هذا الانتشار، وذلك التأثير!!