الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 فور اقتحام المسلحين الشيشان لمسرح موسكو قال الرئيس بوتين ان لديه ادلة على ان العملية تم التخطيط لها في مركز دولي للارهاب، وذلك في اشارة الى جمهورية الشيشان، ثم اضاف انه تم التقاط اتصالات جرت بين المسلحين وبعض السفارات في موسكو، وذلك ليعضد نظريته. وعندما تم اقتحام المسرح وما ادى اليه من نتائج كارثية خاطب بوتين شعبه «لا احد يستطيع تركيع روسيا» كي لا يسأل الروس من المسئول عن مقتل 118 رهينة بيد قواتهم الخاصة، فالكرامة الوطنية ـ وفق منطق بوتين ـ هي الامر الوحيد الذي يجب ان يهيمن على الموقف. وهذا يذكرنا تماماً بمسلك الرئيس بوش فور وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد هدد بحرب صليبية، واتهم مع ادارته العرب والمسلمين بـ «الارهاب». وحينما سأل الاميركيون عن سبب ما جرى اجابهم المسئولون ومعهم وسائل الاعلام انهم يكرهوننا ـ اي العرب والمسلمين ـ لأننا متقدمون، ولأنهم يكرهون القيم الاميركية التي تقوم على الحياة المنفتحة واطلاق الحريات! في الحالتين الروسية والاميركية كان المنطق متشابها وهو تعميم الاتهامات وتوزيعها بلا حساب، فالآخر متهم بـ «الارهاب» بكل ما يحمله الاتهام من دلالات، مع تبرئة الذات من اي مسئولية ادت الى ما حدث. فالرئيس بوتين اتهم الشيشان بأنها مركز دولي للارهاب، مثلما فعلت الولايات المتحدة عندما اتهمت افغانستان بأنها بؤرة للارهاب العالمي، ثم عممت الاتهام على كافة العرب والمسلمين. وعندما جاء وقت السؤال عن سبب المأساة لم يتوقف بوتين ليعترف بأن السياسات الروسية في الشيشان هي المسئولة عن جريمة احتجاز الرهائن. وان المذابح الروسية ضد الشعب الشيشاني هي التي دفعت بالمقاتلين الشيشان الى نقل عملياتهم لقلب موسكو، وان ترويع المدنيين الابرياء في الشيشان يقابله ترويع مماثل في روسيا. وكانت الولايات المتحدة هنا ايضاً هي النموذج الذي احتذاه بوتين فالساسة الاميركيون لم يهتموا ابداً ـ بعد الحادي عشر من سبتمبر ـ بتقديم اجابة صادقة عن سبب مأساة مركز التجارة والبنتاغون، رغم انه من الثابت ان السياسة الاميركية في العالم العربي والاسلامي ولدت عداءً هائلاً ضد الولايات المتحدة الاميركية، وان استهداف المدنيين الابرياء في العراق وفي السودان وفي الصومال وفي ليبيا يزود المعادين للسياسة الاميركية بمسوغات تقودهم الى معاملة المدنيين الاميركيين بالمثل. كما ان العنف الاسرائيلي المؤيد اميركياً ضد الفلسطينيين يبرر القيام بهجمات مضادة دفاعاً عن النفس. وسواء وقع العنف ضد المدنيين في قلب موسكو او في قلب نيويورك، فهو مرفوض تماماً بنفس الدرجة التي يرفض بها الاسلام ممارسة موسكو او واشنطن اي نوع من العنف ضد المدنيين من العرب والمسلمين او غيرهم. فأحكام الاسلام قاطعة في هذا المجال. وهنا يكون من واجب الدولتين: روسيا التي استحلت دماء الشيشانيين، والولايات المتحدة التي تزهق يومياً ارواح عرب ومسلمين ان تراجعا سياساتهما مراجعة شاملة بما يصون حقوق وحياة الاخرين، والا فإن هذه المقدمات الدموية ـ روسياً واميركياً ـ ستقود العالم الى نتائج اشد دموية، بما يوقع العالم في دائرة جهنمية ربما يتضاءل امام مآسيها مصطلح «الارهاب»، فما دام القتل مستمراً في الشيشان فليس متوقعاً ان يتوقف الشيشانيون عن استهداف الروس، وكذلك الحال مع الولايات المتحدة في اماكن اخرى. المؤسف ـ حقاً ـ ان كل الشواهد ـ الآن ـ تقود الى ذلك، وربما يأتي يوم يكون فيه كل روسي هدفاً لأي شيشاني، فحوادث قتل الاميركيين ـ عشوائياً ـ تشي بذلك، وآخرها ماجرى في العاصمة الاردنية عمان، وسبقتها حادثة الصحفي دانييل بيرل في كراتشي. وتلك كارثة انسانية بكل المعايير ـ ان حدثت ـ فمنطق القوى الكبرى في استخدام القوة يؤدي دوماً الى الاسوأ، لأن قوة الكبار عمياء، والا فليسأل الساسة الروس انفسهم: لماذا قتل 118 روسياً في مسرح موسكو؟ وليسأل الاميركيون لماذا سقط ثلاثة آلاف قتيل في حوادث الحادي عشر من سبتمبر؟ ايها السادة الكبار.. قليل من العدل يصلح العالم.