الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 كنت اقول لسائق الباص اننا الان نتجه شمالا من عمان الى مدينة جرش، وكانت السهول المنبسطة تنتهي بالجبال الخضراء، اننا نقترب من الحدود السورية الاردنية ومن بقعة حدودية في فلسطين المحتلة، اشجار الزيتون التي تلبست تلك الجبال تشي بموسم حصاد مبشر، قال الصبي ابراهيم الفلسطيني اليتيم، هذا الجبل قتل فيه مئات الفلسطينيين، هذا جبل الحزن. جرش مدينة الاعمدة الرومانية، ومدينة ما زالت تحيي الفنون في مواسمها. طقس بارد وذكريات مرة ولحظة كان مطلوب مني فيها ان انسجم مع جمال الطبيعة ومرارة الماضي، هذا مخيم صغير للاجئين الفلسطينيين، وهذا اكبر منه قليلا، وكالة الغوث لها مدرستان هنا ومستشفى، وهذا مركز المؤمن، يقدم مساعداته للمحتاجين والعجزة. اقتربنا.. هاهي اعمدة جرش، قبل زمن جاء مجموعة من اليهود قالوا انهم ينقبون عن آثار وجود قديم، حفروا الارض كالجرذان ثم عادوا بخيبتهم، وقتها احتج الرجال وصرخت في وجوههم النساء، انهم كلاب يدنسون الارض، ذهبوا معممين بالخيبة. آثار جرش تحتاج الى شيء من الاهتمام وبعض من الترميم: رد السائق: فعلا هي تحتاج الى ذلك، هذه آثار عالمية ومهمة جدا. قال الصبي ابراهيم يتيم الاب الذي ولد في المخيم، هذا مخيمنا «سوف» سمي كذلك لانه قريب من قرية صغيرة هناك تراها في قمة الجبل اسمها سوف وسمي مخيمنا على اسمها. في بيت ابراهيم المتواضع جلسنا قدم لنا القهوة الفلسطينية انامله الصغيرة كبيرة على فناجين القهوة، ابراهيم يتصرف كالرجال، فارس صغير يرسم ملامح رجولته بنظراته الحادة والمفردات التي يستخدمها مفردات منضالين من الدرجة الاولى. جاءت جدة ابراهيم، عجوز تستند الى ايدي ابنائها واحفادها، جلست بقربنا، رحبت واستمرت في الترحيب، ودعت لنا بالخير، ثم تذكرت ذلك اليوم.. قالت جدة ابراهيم: «حينما جاؤوا بنا الى «سوف» ما فكرنا اننا سنهدر كل هذه السنوات من العمر، كانت الخيام في بطن الوادي وذات ليلة جرف منها السيل ما جرف بمن فيها، ماتوا، راحوا في «مية السيل» برد ورحيل.. هجرونا بلا رحمة من بلادنا، قالوا سنعود بعد سنة، وسنة جرت وراها سنة، كبرت وكبروا لولاد، حد سافر وحد هاجر وحد اجوز وحد مات.. وانا هيني قاعدة.. ادعي الله متى يرد هالوطن». «يا ابني بلادنا كلها خير، والمخيم بسيط مب قد مقامكوا، لكن نحمد الله هينا بنربي اعيالنا ونروحهم عالمدارس». «سوف» مخيم من مخيمات الشتات الفلسطيني، بيوت متواضعة وبيوت من صفيح جاءت به منظمة الغوث منذ سنوات.. يقول خال ابراهيم: «هذا الصفيح لا يتغير لا مع البرد ولا مع الرطوبة، وحينما طال بنا المقام بدله الاهالي بالطابوق والاسمنت». اهالي «سوف» يحملون في قلوبهم طيبة الدنيا، فعند وداعنا كان نصف المخيم في ذلك الزقاق الصغير يلوحون على أمل ان نعود لهم في يوم ما.. نحن سكان المدن الرخامية. ملاحظة: الصبي ابراهيم شرح لي كمهندس زراعي كيف تعيش وتثمر اشجار الزيتون، وكيف تعامل برفق عند جني زيتونا.. حدثني وكأنه يحدثني عن حبيبة..