الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 سألتني ابنتي وهي تشير الى حفيدي: ـ هل هذا الولد موهوب أم ليس موهوبا؟ أكدت لها أنه موهوب، وأنني أكثر من روج لهذه الفكرة. كانت تشير الى موهبته في العزف على العود. وكنت أعرف أنه موهوب في هذا وغيره. قالت: ـ أنا أقود السيارة ثلاث مرات في الأسبوع ثمانين كيلو مترا لأذهب به الى الأوبرا ليتدرب مرتين في درس نصوص على العود، فضلا عن الدراسة والمذاكرة. إنني أبذل جهدا خارقا، فإذا كنت أضيع وقتي وهو ليس موهوبا سأغلق هذا الباب وأستريح. وكان الوحيد الذي لا يكترث بقلق الأم هو علي خالد نفسه، فلقد كان طفلا في الحادية عشرة. وأكدت لها أنه موهوب، لم يبد عليها احتفاء بوجهة نظري فأنا الجد، والجد شهادته بحر رحمة. قالت بحزم لا يناسب العلاقة بيننا: ـ أليس عمار الشريعي صديقك، اجعله يعزف أمامه! ولم يكن مما «أمرت» به بد، وأنا الذي لا يخلط بين صداقاته وبين ما يريد.. ولا أظن ـ على قدر ما تسعفني الذاكرة ـ أن شيئا ما مثل هذا حدث من قبل. وكان يوم ذهبنا الى عمار في فيلته الجديدة حدث في حياة الأسرة. وبمجرد أن جلسنا تحدث عمار عن الفيللا وكيف أنها تقع على شاطئ النيل، ولكن أصدقاءه من «العميان» ادعوا أنها ليست على النيل لأنهم لا يسمعون صوتا للمياه. وأدرك عمار ـ على ما يحكي ـ أنه لن يستطيع مناقشتهم فهو يعرفهم جيدا، ولذلك أرسل تابعه محمود وأتى بكميات كبيرة من الطوب، أعطى لكل واحد منهم بعضها، على أن يلقوا بها في الماء، واذا اصطدمت الطوبة بالماء سمعوا صوتها. وضحكت لقصة عمار ولكن علي خالد وأخته الصغيرة ووالديه ضحكوا مضطربين وفي خجل. فلقد تعودنا على الخجل مع من فقد بصره، ونعتبر أنه من سوء الأدب أن نتحدث في هذا. وطوال عمري كنت أفكر في أن كلا منا ينقصه شيء ومع ذلك لا يتعامل معه كفقدان البصر. نجلس مع رجل بلا عقل أو دون معرفة بكذا أو كذا أي ينقصه شيء مهم مما يجب أن يكون من صفاته، ومع ذلك يضع ساقا على ساق وينطق من طرف أنفسه، ولا يخجل لحظة من افتقاده الى ما ليس فيه. سبحان الله! وبالتأكيد أراد عمار أن يزيل الاحساس بالحرج، وأظنه نجح في ذلك كثيرا. وعزف الولد أمامه وقال ما قال. وبعدها بأيام وصلتني «النميمة» على ما قاله عمار بعد أن رحلنا. قال: ـ لم أر مثله أحدا منضبطا ومحترما. ولكن ما أن أمسك بيد حفيده حتى سقط كل هذا، وبدا رجلا عبيطا مثلنا جميعا! وضحكت لما قال عمار. وفيما بعد كان من المفروض أن يذهب هذا الحفيد الى الأردن ليعزف في الاحتفالات التي أقيمت لعمان كعاصمة ثقافية مع بعض زملائه. وكان آنئذ في حالة اضطراب لأسباب لا أذكرها، فقال انه لا يريد السفر. لكنني شجعته بشدة وقلت له اننا جميعا ـ أقصد الأسرة طبعا ـ سنذهب معه. وانتهى الأمر فإذ بالأيام تمر ويأتي موعد السفر. ولما كان من المستحيل سفر والديه لظروف عملهما، فلقد سافرت وجدته ليس معه، بل حوله. والحمد لله أن عمار الشريعي لم يكن هناك ونحن نتابعه عن بعد ولهفة، وإلا كان قد ضحك ساخرا، وأطلق علينا «قفشاته» ومن الطريف ـ أو ربما من البديهي ـ أن علي خالد لم يكترث بوجودنا كثيرا، فلقد كانت هناك فرق عربية أخرى، اندمج معها، وجعلني أدرك أن البيئة القومية التي نشأ فيها سهلت له التآلف مع أقرانه من البلاد العربية الأخرى حتى من كانت لهجاتهم صعبة مثل الجزائريين، فلقد رأيت في أوراقه عناوينهم جميعا. ولم يكن علي خالد وحده الذي يمارس الإمارة عليّ وكان واحدا من أمراء أربعة. واكتشفت أنني قضيت حياتي أحاول أن أتحرر من السلطة بدءا من السلطة الأبوية الى سلطة الدولة الى سلطة المجتمع لأقع في أسار سلطة أربعة من الأطفال يمتلكون كل وسائل الاستبداد على رعيتهم. أسافر كثيرا. ولا آتي بهدايا إلا لهم، ولأنهم كانوا يفرحون كثيرا بهذه الهدايا، أرادت جدتهم أن تشاركنا المشاعر التي تتألق في هذه اللحظات. وانتقت أجمل وأغلى الأشياء، لكن الأطفال استقبلوا الأشياء التي اشتريتها بأرخص الأسعار بحماس بالغ. تكرر هذا أكثر من مرة، فاضطرت لأن تسألني كيف أعرف ما يريده الأمراء الأربعة؟ قلت لها: ـ لن أبخل عليك بالسر العظيم. ببساطة أنا أدخل الى محل لأشتري لهم شيئا، أتناساهم، وأشتري ما أريد أنا أن ألعب به. ولأنني طفل فأنا أشتري ما يعجبهم! وإدعت أنها فهمت السر، وأظنها ما زالت تحاول فهمه. وكل أمير من الأربعة يختلف عن الآخرين. بالطبع هناك أشياء تجمعهم منها حبهم للفن. وأظن ذلك طبيعيا في أسرة مهتمة بالفن فهناك الممثلة والمخرج وأستاذة الموسيقى والبيانست والنحاتة ومدرسة الموسيقى والكاتب، بالتأكيد في بيت مثل هذا لابد أن تجد الموهبة مرتعا لها. وأذكر منذ سنوات عندما قامت حملة غمز في الفنانين عن أولاد الفنانين. وقد أثبت هؤلاء الشبان موهبتهم بعد هذه الحملة وكان بينهم المخرج هشام عكاشة ابن الكاتب أسامة أنور عكاشة ومروان حامد ابن الكاتب وحيد حامد، والممثل أحمد الفيشاوي ابن فاروق الفيشاوي وغيرهم ولاشك أن حافزا مهماً لموهبتهم وجودهم في الجو الثقافي والفني. ولو أنك راجعت يوما في حياة الآباء لوجدت فيه مدرسة فنية للأولاد تزاحم أي معهد فني. وبالطبع هذه القاعدة ليست صحيحة في كل الأحوال. هناك نادية ذو الفقار ابنة واحد من أكبر مخرجي السينما المصرية هو عزالدين ذو الفقار وكذلك ابنة أهم ممثلة عربية هي فاتن حمامة، ومع ذلك توقفت تجربتها عند البداية لأنها لم تكن تملك الموهبة الكافية. يوسف باسم يعزف البيانو لكنه يلعب الكرة أيضا. ربما كان في ذلك مثل أبيه الذي كان دائما يجمع من كل شيء بطرف. والأمراء الاربعة كلهم أصدقائي أو أحاول أن أجعلهم أصدقاء بدلا من أن يكونوا «سلطة». ولكن يوسف أكثرهم إدراكا أنه سلطة لذلك لا يغلف مطالبه بالرجاء، بل يلقيها على شكل أوامر. ولأنه مشغول بأمور كثيرة فليس لدينا فرصة كبيرة لأن نكون معا في لعبة أو رحلة أو زيارة. ويأخذ أخاه الأصغر ابراهيم معه في هذا، في حين أنني أظن أن ابراهيم كان يفضل ألا يهتم إلا باللعب معي. لكن هذا لا يجعلك تتخيل أنه شخص سهل، فهو بوهيمي لا مبال لكنه أكثر الأمراء الأربعة سيطرة، وما يريده يحققه بالالحاح، وهو قادر على المناقشة حتى يهزمك أو يأتي موعد النوم. وكنا نظن أن ابراهيم ابن التاسعة أبعد الأمراء عن الفن حتى ضبطناه يتدرب على التمثيل أمام المرآة! وفريدة خالد هي الأميرة وسط هذا العقد. وكنا في انتظارها على لهفة فهي أصغر الأحفاد، وكنا قد ضقنا بثلاثة من الشياطين الصغار، وتمنينا طفلة بما في البنات من دعة ونعومة. واستقبلناها بسعادة غامرة، ولم نكن ندرك أن «الأولاد» ملائكة بالنسبة لها فهي أشرس ممارسي السلطة. أذكر أنهم أتوا لزيارتنا وتوافق وصولهم مع وصول ابراهيم الصحن مخرج «بوابة الحلواني» وكانت تعرف بخبرتها أنني سأستغرق معه، وأنني لن أكون معها. لذلك سارعت باخباري أن «الضيف» الآتي ليس صديقا لي وإنما هو قريب لجدتها. ولم يكن هذا يمنعني للذهاب الى ابراهيم الصحن في غرفة المكتب حيث ينتظرني. ولكن فريدة حذرتني من أن هذا «الرجل» معه سكين! وعندما ذهبت اليه وجلست معه بعض الوقت أتت وقالت انهم يريدونني في الداخل، وصدقتها. ولكنني اكتشفت أن أحدا لم يرسلها. في يوم الجمعة يلتقون جميعا. ويكون عادة هذا أصعب الأيام. لكنه أيضا أجملها.