الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 كلما توسعت أميركا في استخدام «القوة الصلبة» كلما كان ذلك على حساب رصيدها من «القوة الناعمة». وحتى في مجال «القوة الصلبة» فإنها تخاطر بأمن شعبها اذا واصلت انتهاج سياسة استفزاز الآخرين من دول ومنظمات متطرفة. هذه خلاصة توصل اليها الكاتب الصحفي الاميركي وليام فاف في مقالة بصحيفة «هيرالد تربيون» الاميركية الاسبوع الماضي. ولكن أولاً نتساءل: ما هي «القوة الصلبة» وما هي «القوة الناعمة»؟ «القوة الصلبة» هي العنف المادي بكل أدواته القتالية من السيف الى صاروخ «كروز» العابر للقارات. اما «القوة الناعمة» فهي تلك القوة غير المرئية التي تشتمل على النفوذ الدبلوماسي والاقناع السياسي والنفوذ الثقافي وغيرها من العوامل الاخرى التي تجعل دولة ما او منظمة ما ذات احترام ومكانة أدبية بحيث ينظر اليها الناس كقدوة. ومشكلة الولايات المتحدة الآن، وتحديدا منذ احداث سبتمبر 2001، هي انها اعتمدت القوة الصلبة كمنهج أوحد للتعامل مع العالم. وتجسد هذا النهج اكثر ما تجسد فيما اطلقت عليه ادارة بوش «وثيقة الاستراتيجية الامنية القومية».. وهي وثيقة تدعو صراحة الى اخضاع العالم بأسره للهيمنة الاميركية عن طريق السيطرة العسكرية. وعلى هذا النحو فإنها وثيقة تعكس قصر نظر لأنها تتجاهل عامل رد الفعل. وفي هذا يقول الكاتب فاف: عندما تعلن الحكومة الاميركية رسميا ان هدفها الاستراتيجي الأعظم هو تحقيق سيطرة عسكرية دائمة على العالم بحيث لا يفكر اي خصم ـ حتى مجرد تفكير ـ في تحدي اميركا، فإن النتيجة الحتمية هي ان الآخرين سوف يجدون انفسهم مضطرين الى التفكير بصورة جديدة تماما. فلن يفكروا في كيفية «تحدي» الولايات المتحدة وانما في كيفية «ردعها». لهذا فإن اول رجع صدى لهذه الوثيقة هو ان تحفز دولا أخرى ـ اكثر من اي وقت مضى ـ على تملك السلاح النووي. فالدول التي تستهدفها الولايات المتحدة بالعداء في اطار محاولة فرض سيطرة عسكرية كاملة على العالم، لن تنتظر مكتوفة الأيدي الى ان تنالها ضربة اميركية قاصمة.. انها غالبا، وبدافع غريزة البقاء، سوف تجتهد في امتلاك سلاح نووي يجعل واشنطن تفكر ألف مرة قبل اقدامها على العدوان. وهذا ليس تنظيرا محتملا انما هناك مثال واقعي له. خذ المسلك الاميركي المتناقض تجاه كل من العراق وكوريا الشمالية، فالولايات المتحدة تعتزم التعامل مع العراق بأسلوب الهجوم العسكري بينما في الوقت نفسه تتعامل مع كوريا الشمالية بأسلوب التعاطي الدبلوماسي السلمي. لماذا؟ ببساطة لأن واشنطن واثقة تماما ـ رغم الضجة الهستيرية التي أثارتها على مستوى عالمي ـ من ان العراق ليس بحوزته سلاح نووي لكنها بنفس القدر واثقة تماما من ان لدى كوريا الشمالية عددا من الصواريخ ذات الرؤوس النووية، والبعيدة المدى، التي يمكن ان تطال اهدافا داخل الاراضي الاميركية، وهذا ابرز مثال معاصر للقوة الردعية للسلاح النووي حتى لو كان متواضعا. مما لا شك فيه ان الولايات المتحدة تملك اكبر ترسانة نووية في العالم. وعندما تعلن ادارة اميركية انها تستهدف بالعدوان دولاً معينة عن طريق السيطرة على العالم بأسره فإن اي واحدة من هذه الدول سوف ترى ان الحكمة تقتضي ان تحصل لنفسها على قوة نووية صغيرة تكفي لردع الآخرين. ولكن للتوجه العدواني الاميركي صوب العالم وجها آخر.. وهو ان الولايات المتحدة تفقد رويدا رويدا نفوذها الاخلاقي والمعنوي لأنها تسعى ببساطة الى استرقاق شعوب العالم. وبمثل هذه السياسة فانها تخسر اي رصيد لها من المصداقية عندما «تبشر» بنشر الديمقراطية وحقوق الانسان والرخاء. انها بكلمة واحدة تفقد «القوة الناعمة». ما هي الخلاصة اذن؟ منذ 11 سبتمبر 2001 ظلت الولايات المتحدة في حالة حرب مستمرة بدرجات متفاوتة او شبه حرب. ومع مرور الايام أخذ النطاق الجغرافي للحرب او شبه الحرب يتوسع من أوروبا الى آسيا عبورا بالشرق الأوسط. وفي هذا السياق يحذر وليام فاف من ان اميركا سوف تجد نفسها مع مرور الوقت في حرب ضد العالم بأسره. وسوف يأتي رد الفعل بحجم الفعل.