الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 لم يصدر عن بيونغ يانغ ما ينفي الانباء التي اذاعتها واشنطن حول اعتراف القيادة الكورية الشمالية لموفدها جيمس كيلي مساعد وزير الخارجية الاميركية لشئون الشرق الاقصى والمحيط الهادئ، بانها تملك برنامجاً سرياً للتسلح النووي، وان كان من غير المعروف ما اذا كانت كوريا الشمالية قد توصلت فعلاً الى انتاج سلاح نووي او تملك التكنولوجيا اللازمة لذلك. وفي حين اكدت الادارة الاميركية ان بيونغ يانغ انتهكت بذلك اتفاق عام 1994 الذي نص على قيام كونسورتيوم دولي يضم الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الاوروبي، لبناء مفاعلين نوويين مدنيين في كوريا الشمالية قبل عام 2003 مع تقديم بعض المساعدات الاقتصادية لها، مقابل تخليها عن برامجها النووية ذا الاهداف العسكرية، وصدرت اشارات عن القيادة الكورية الشمالية مفادها ان اتفاق 1994 لم يعد قائماً لأن الولايات المتحدة والاطراف الاخرى المتعاونة معها لم تنفّذ التزاماتها المحددة في الاتفاق المذكور. والى ان تظهر الحقيقة الكاملة في ما يتعلق بـ «الاعترافات» الكورية الشمالية المفاجئة، لابد من الوقوف عند عدد من القضايا المرتبطة بالصراع المستمر في شبه الجزيرة الكورية منذ تقسيم كوريا في عام 1945 الى شطرين: شمالي وجنوبي، والهدنة التي اعقبت حرب السنوات الثلاث بين الاشقاء (1950 ـ 1953)، برغم مرور عقد على انتهاء الحرب الباردة وتصفية معظم اثارها ومخلفاتها في عدد من مناطق العالم. ثمة سؤال يطرحه بعض المحللين حول الاسباب التي تدفع بكوريا الشمالية، الدولة الفقيرة، المتخلفة، المحاصرة والمعزولة سياسياً واقتصادياً، للتمسك بخيار التسلح النووي وانفاق اموال طائلة على تطوير صواريخها البالستية. ومع ان هناك من يعيد هذه الحالة الى اسباب عقائدية، برغم ان خليفة كوريا الشمالية، وهي الصين، قطعت شوطاً بعيداً على طريق الانفتاح الاقتصادي والتنمية والتقدم العلمي والاندماج في قضايا العالم المختلفة، لكن اخرين يعتقدون ان بيونغ يانغ مازالت تتصرف تحت تأثير المخاوف الناشئة عن عزلتها الطويلة، وعن الضغوط الهائلة التي يشكلها وجود جيران اقوياء، ولكن معادين كاليابان وكوريا الجنوبية، بالاضافة الى 37 ألف جندي اميركي يرابطون في الشطر الكوري الجنوبي ويتوزعون على نحو اربعين قاعدة عسكرية، برية وجوية وبحرية. فالنظام الكوري الشمالي يعتبر نفسه، في هذه الظروف، مستهدفاً من القوى الثلاث مباشرة. ولذلك فهو يحاول باستمرار ان يعزز قوته العسكرية ليقيم نوعاً من توازن الرعب، خصوصاً حيال القوات الاميركية المرابطة في مواجهته ورديفتها الجنوبية، وليدعم موقفه التفاوضي مع سيول، حتى لا يبدو وكأنه يواجه حالة انهيار على غرار ما حدث في الاتحاد السوفييتي بعد ان فتح غورباتشوف باب التغيير في بلاده على مصراعيه، فإذا بكل شيء يصبح تحت سيطرة الولايات المتحدة ونفوذ اجهزتها ومؤسساتها. لقد بدا من الواضح ان الخوف الذي يستبد بكوريا الشمالية هو العامل الرئيسي في الانغلاق على الذات وتركيز الاهتمام على الاستعدادات العسكرية بالدرجة الاولى، فتوحيد الكوريتين بالقوة لم يعد وارداً لدى الشمال منذ هزيمته في حرب 1950 بفعل التدخل الاميركي المضاد ـ على الرغم من الشعارات الوحدوية التي تحتل حيزاً رئيسياً في خططه الاعلامية. ولذا كان من الضروري البحث في الوسائل التي تؤدي الى اشعار بيونغ يانغ بالامان حتى تستطيع رفع اصبعها عن الزناد. أبواب الحوار ان سياسة التقرب وفتح ابواب الحوار مع بيونغ يانغ. التي انتهجتها كوريا الجنوبية بتشجيع من الغرب، حققت نتائج جيدة تمثلت في بعض خطوات التقارب واذابة جليد القطيعة. ومنذ القمة التاريخية التي عقدت في بيونغ يانغ بين زعيمي البلدين، منتصف يونيو 2000، حيث تم ارساء قاعدة ثابتة لحوارهما المستقبلي، تكررت المشاهد المؤثرة للقاءات الاهل والاحبة من الشطرين في ظل شعار «لم الشمل العائلي»، وكذلك اجتماعات الوفود الوزارية في كلا البلدين بصورة تبادلية، للاتفاق على خطوات محددة في شأن تطبيع العلاقات بينهما، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، وازالة العوائق الحدودية التي تمنع التنقل بين البلدين. بيد ان المفاوضات توقفت بين الجانبين نتيجة للاجراءات الامنية المشددة التي فرضتها سلطات كوريا الجنوبية في اعقاب احداث 11 سبتمبر (2001) في الولايات المتحدة، وازدياد حدة التوتر في العلاقات بين بيونغ يانغ وواشنطن تحت تأثير الحملات العنيفة التي شنتها الادارة الاميركية على كوريا الشمالية وتصنيفها ضمن ما وصفه الرئيس جورج بوش «محور الشر» الى جانب العراق وايران ودول عربية اخرى. وكانت الادارة الاميركية بادرت، منذ تسلمها السلطة مطلع عام 2001، الى وقف الاتصالات مع حكومة كوريا الشمالية التي بدأتها الادارة السابقة برئاسة بيل كلينتون، بذريعة ان القيادة الكورية الشمالية لا تحترم تعهداتها. لذلك فإن موقفها العنيف والاستفزازي من بيونغ يانغ لم يكن مفاجئاً، برغم انه ليست للاخيرة اية علاقة بالارهاب العالمي كما يفهم اليوم، ولا باحداث 11 سبتمبر تحديداً. والمهم ان سلطات كوريا الشمالية بدت شديدة الاستياء من هذا التطور السلبي في علاقاتها مع كوريا الجنوبية، ودعت الى مواصلة الحوار واتخاذ اجراءات تقارب جدية تساهم في تعزيز العلاقات بين الجانبين. واتهمت بيونغ يانغ الادارة الاميركية بأنها تتعمد ابقاء حالة التوتر بين شطري كوريا من اجل الحفاظ على وجودها العسكري ونفوذها السياسي في المنطقة. تحوّل مفاجئ على ان الادارة الاميركية قررت فجأة اعادة النظر بسياستها الاستعدائية تجاه كوريا الشمالية، ربما بدافع الرغبة في تفكيك ما تسميه واشنطن «محور الشر» واضعاف التعاون القائم بين بيونغ يانغ، وطهران ودول شرق اوسطية اخرى في المجال العسكري، وكذلك تحت الحاح كوريا الجنوبية واليابان والاتحاد الاوروبي بضرورة تطمين كوريا الشمالية، او استيعابها، بدلاً من اثارة المزيد من المخاوف لديها. وفي الوقت الذي بدأت واشنطن اتصالات مع بيونغ يانغ لاستئناف الحوار بينهما، حدث شيء مماثل على صعيد الاتصالات بين شطري كوريا، متجاوزين الآثار السلبية للمواجهة البحرية التي وقعت بينهما في بحر الصين في نهاية يونيو الماضي واسفرت عن اغراق سفينة حربية جنوبية ومقتل واصابة عدد من الجنود في الجانبين. وقد حققت اتصالات الكوريتين نتائج سريعة، اذ تم الاتفاق بينهما على ازالة الالغام من جزء من المنطقة المنزوعة السلاح بين البلدين وذلك في اطار اتفاق اشمل لربط الكوريتين بواسطة طريقين وخطين لسكة الحديد، وقد اتخذت هذه الخطوة شكلاً احتفالياً في النصف الثاني من شهر سبتمبر الماضي عندما فتحت الحدود في المنطقة المسماة «دوراسان» (الساحل الغربي) تمهيداً لمد خطي السكة الحديد وشق الطريقين البريين بين البلدين، على ان يتولى كل طرف استكمال الانشاءات اللازمة من جهته وعلى مسئوليته. ولهذه المناسبة جرى تنظيم احتفالات على جانب الحدود التي تتوسطها منطقة منزوعة السلاح يبلغ عرضها اربعة كيلومترات وتمتد نحو 250 كيلومتراً، كما تقسم شبه الجزيرة الكورية الى قسمين منذ نهاية الحرب الكورية عام 1953. وعلى أثر ذلك بدأت عملية مشتركة لنزع الالغام يشارك فيها نحو 200 جندي وخبير من الجانبين، مع الاتفاق على مجموعة من الضوابط لمنع حدوث اية اشكالات أمنية. وفي حين تبدي السلطات الكورية الشمالية حماساً واضحاً لتطبيع ا لعلاقات المدنية بين البلدين، إلا انها تبدو اكثر تحفظاً فيما يتعلق بالشئون العسكرية. فهي ترفض حتى الان اتخاذ اجراءات عسكرية رئيسية من شأنها نزع فتيل التوتر في المنطقة، كما تتخذ موقفاً سلبياً من اية اقتراحات جنوبية تهدف الى اشتراك عسكريين في المفاوضات الجارية بين الطرفين. وخلال ذلك تظل المناطق الحدودية بين الشطرين تشهد اكبر حشد عسكري منذ سقوط المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة، حيث ينتشر نحو مليون و 800 الف جندي على جانبي الحدود المشتركة تفصل بينهما المنطقة المنزوعة السلاح وجدران الاسلاك الشائكة التي ترتفع ثلاثة امتار. .. وتحرك ياباني التحرك الايجابي الاخر في اتجاه كوريا الشمالية تم عبر اليابان، في محاولة واضحة لتجاوز الاثار السلبية للعداء التاريخي الناشئ عن الاستعمار الياباني لكوريا الموحدة قبل تقسيمها والذي دام ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماً. واذا كانت طوكيو توصلت الى تصفية جزء من هذا الارث الثقيل بالاتفاقات التي عقدتها مع كوريا الجنوبية في منتصف الستينيات من القرن الماضي والتعيوضات التي دفعتها الى سيئول آنذاك (500 مليون دولار)، الا ان علاقاتها مع الشطر الشمالي من كوريا ظلت مقطوعة بسبب طبيعة الصراعات الدولية التي كانت سائدة من جهة، والدور الاميركي المعطّل لأي توجه سلمي في المنطقة من جهة اخرى. ابرز الخطوات الجديدة في التحرك الياباني تمثلت في الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الياباني جونيتشيرو كويزومي الى بيونغ يانغ في 17 سبتمبر الماضي، بعد ان كانت الاتصالات بين الجانبين توقفت عام 2000. وقد فاجأ الزعيم الكوري الشمالي كين جونغ ايل ضيفه الياباني بالاعتراف بمسئولية بلاده عن خطف 11 يابانياً بين 1977 و 1983 (4 منهم مازالوا احياء) حيث قدم اعتذاراً عن ذلك الى اليابان، مبدياً استعداده لاطلاق من تبقى منهم على قيد الحياة. وكانت هذه المسألة احدى القضايا الرئيسية التي ضاعفت من تأزم العلاقات بين البلدين، اذ طالبت طوكيو مراراً بتقديم معلومات عن الاشخاص الاحد عشر المفقودين. بالمقابل اعرب الجانب الياباني عن «الشعور بالاسى العميق وتقديم الاعتذار القلبي «بسبب قيام اليابان باحتلال شبه الجزيرة الكورية بين الاعوام 1910 و 1945. ومع ان الاعتذار اعتراف بالذنب، لكنه لا يشكل بالنسبة لبيونغ يانغ تعويضاً كافياً، اذ ان السلطات الكورية الشمالية تأمل في الحصول على تعويضات مالية من اليابان لا تقل عن سبعة مليارات دولار، وهي توازي، بقيمتها الحالية، ما حصلت عليه كوريا الجنوبية قبل سبعة وثلاثين عاماً، وسيكون هذا الجانب مدار مفاوضات لاحقة بين الطرفين. وتأكيداً لتوجيهات بيونغ يانغ السلمية حيال اليابان، تعهد الزعيم الكوري الشمالي لرئيس وزراء اليابان بتجميد التجارب الصاروخية البالستية عند انتهائها عام 2003. وكان احد الصواريخ الكورية سقط في الاراضي اليابانية عن طريق الخطأ، ربما، خلال احدى التجارب مما كاد يتسبب في ازمة عميقة بين البلدين. واذا كان موضوع التجارب الصاروخية يهم اليابان، على نحو اخص، الا ان وقف التجارب يشكل بادرة حسن نية تجاه الولايات المتحدة ايضاً. وقد حرص الرئيس كيم جونغ ايل على ان يطلب من رئيس وزراء اليابان نقل هذا التعهد الى الادارة الاميركية حتى يضمن وصول الرسالة الى هدفها الحقيقي. وبذلك يكون الرئيس الكوري الشمالي قد ضرب عصفورين بحجر واحد، في الوقت الذي يستكمل تجاربه الصاروخية وفق برنامجه المحدد. عقلانية الذئاب من الواضح ان التحرك الاميركي الاخير في اتجاه كوريا الشمالية جاء ضمن الجهود الاخرى لاستيعاب التهديد الذي تشكله اسلحتها غير التقليدية. وقد اعلنت وزارة الدفاع في كوريا الجنوبية قبل ايام قليلة ان كوريا الشمالية تملك ترسانة من الاسلحة الكيماوية يقدر حجمها بنحو خمسة آلاف طن، وهي قادرة على مضاعفة هذه الكمية خلال عام واحد، سواء كانت هذه المعلومات دقيقة او تنطوي على مبالغة متعمدة، فإن سياسة استعداء كوريا الشمالية لم تحقق اي نتيجة، لا للولايات المتحدة ولا لجيرانها الذين يتسابقون الان للقيام بمبادرات سلمية حيالها، بيونغ يانغ ليس لديها الكثير لتخسره في اية مواجهة مع اعدائها سوى الحصار المفروض عليها، في حين ان الاخرين قد يخسرون الكثير. لذا فإن الموقف الاميركي من كوريا الشمالية، والذي كان يتخذ دائماً طابع الهجوم العنيف، الى حد اعتبار بيونغ يانغ احد اطراف «محور الشر» بحسب مصطلحات الرئيس جورج بوش الجديد، اتسم هذه المرة بالهدوء والتعقل، برغم ان اعتراف القيادة الكورية بامتلاكها برنامجاً للتسلح النووي كفيل بأن يدفع الادارة الاميركية الى التهديد بمصير كالذي ينتظر العراق، مع ان الاخير ينكر امتلاكه اي سلاح غير تقليدي. والمراقبون يتساءلون الآن عن سر هذه العقلانية التي حلت فجأة بين مجموعة الذئاب في البيت الابيض المحيطة بالرئيس جورج بوش والتي تؤثر في قراراته. فهل يريد هؤلاء اخراج كوريا الشمالية من «محور الشر» وتدجينها، تم اقفال مصدر الصواريخ البالستية الذي تعتمد عليه دول عديدة بينها ايران وعدة دول عربية، ام تعطيل حركة القيادة الكورية الشمالية في الوقت الحاضر، حتى لاتضطر واشنطن الى خوض مواجهتين في وقت واحد؟ ولكن.. ما هو الثمن الذي ستحصل عليه كوريا الشمالية مقابل ذلك؟ إذا كانت بيونغ يانغ خرقت اتفاق 1994 ببرنامجها النووي السري، فإن الولايات المتحدة لم تنفذ الشق المتعلق بها من هذا الاتفاق. وهذا يعني ان الولايات المتحدة تحتاج، هي الاخرى، الى ما يؤكد صدقيتها والتزامها بتنفيذ ما توقع عليه من اتفاقات، لا ان تكتفي بمطالبة الاخرين بأن يفعلوا ذلك من جانب واحد فقط؟ وكوريا الشمالية تحتاج الى الكثير لتعويض عزلتها الطويلة وتخلفها الاقتصادي والعلمي المريع. فهل لدى واشنطن الاستعداد لدفع هذا الثمن الباهظ؟! ـ كاتب لبناني مقيم في باريس