الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 حين تتابع الأدبيات السياسية والفكرية التي تصدر حاليا في الولايات المتحدة نستطيع دون كثير من عناء أن نرصد اتجاهين رئيسيين يمكن تلخيصهما بتكثيف شديد على النحو التالي: ـ أولا الاتجاه الرسمي ـ الحكومي وهو الذي تتبناه ومن ثم تتبعه بداهة إدارة الرئيس بوش وخاصة أركانها الثلاثة وهم: الرئيس شخصيا ونائبه السيد تشيني ووزير دفاعه السيد رامسفيلد. وكون هذا الاتجاه حكوميا أو رسميا لا يعني أنه يفتقر الى السد السياسي أو الغطاء الفكري بل أنك تستطيع أن تلمحه في معظم ما تردده منظومات الميديا الأميركية وتستطيع أن تتابع قراءته في دراسات فكرية تنشر وحتى في رسائل يكتبها مواطنون أميركيون في أبواب القراء بالصحف الصادرة في الحواضر وفي الأقاليم على السواء. محور الشر ذلك هو الاتجاه القائل بمحور الشر ـ الدول المارقة التي تهدد في رأي أصحاب هذا الاتجاه أمن العالم وسلامه ومستقبل أجياله.. وقد بدأ المحور ثلاثيا كما لعلك تذكر (العراق وايران وكوريا الشمالية) ثم تعرضت ـ هل تقول حظيت ـ بيونغ يانغ الكورية بنوع من «الغطاء أو التدليل حتى برغم ما أعلنته من تطوير أسلحة نووية» ثم تخافت الحديث عن ايران ليتركز الحديث صباح مساء عن العراق بكل ما يحفل به هذا الخطاب الأميركي الرسمي من مقولات حول امتلاك بغداد أسلحة الدمار الشامل وضرورة شهر أكثر من عصا غليظة في وجهها لكي ترعوي وتتخلص الى الأبد من تلك الأسلحة ومن كل امكانات تطويرها وانتاجها.. الخ. خطورة هذا الاتجاه الرسمي أنه مدجج بأحدث آلة حربية في العصر وربما في التاريخ.. في البر والبحر وأجواء الفضاء.. وأنه يستند الى ماكينة دعاية صورت أمور الكرة الأرضية وكأن تحت كل حجر فوق سطحها يكمن خطر عراقي يهدد شعوبها ـ أميركا على وجه الخصوص ـ وأفدح ما في تلك الاخطار هو اصدار أصحاب الاتجاه المذكور أحكاما قطعية ـ من منطق التعميم والتجهيل على سواء ـ بمعنى كثرة الأحاديث بالحاح وتكرار غريب عن خطر ما يفعله صدام حسين وما يخفيه وما يخطط له.. الخ دون إعطاء مبررات مقنعة ولا تفاصيل تشفي غليل من يندب نفسه لمهمة تحليل سياسي موضوعي على البارد.. وتكون النتيجة أن مثل هذا المحلل المسكين سيظل يندب ما آل إليه مصير الموضوعية، أو الاعتدال أو الانصاف.. لاسيما وقد تسربت الى هذا النهج مصطلحات ومقولات وطروحات كانت في الماضي القريب للغاية ـ أمورا محظورة أو مناطق ألغام فكرية ومفهومية، ممنوع التوغل فيها ـ كانت بمثابة «تابوهات» لا يجوز التعامل معها ليس فقط بحكم تراث أميركا الديمقراطي الذي يصدر عن اعلان حقوق الانسان وحقوق الشعوب وعن تغني دستور الولايات المتحدة الذي وضعه آباء الاستقلال الأميركي بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولكن أيضا بحكم ضرورات المصالح القومية العليا لواشنطن في كفالة أسباب السلم والاستقرار على مستوى العالم ككل وفي ظل هذا المناخ يمكن لأميركا أن تمارس دورها القيادي وأن تحقق مصالحها الاقتصادية، في سوق هائلة تنتظم طول الكرة الأرضية وعرضها. ألغام إمبريالية منطقة الألغام التي تطرقنا اليها تتمثل في تلك الأحاديث عن الاتجاه الامبريالي ـ الامبراطوري بمعنى التسلطي.. التعسفي الطاغوتي في سياسة الولايات المتحدة.. بعيدا بعيدا عن روح الليبرالية والتفتح والاصغاء لآراء الآخرين وتكريس حقوق الانسان. في هذا السياق بالذات يقول الأستاذ مارتن ووكر وهو من كبار الباحثين المتفرغين في معهد السياسة العالمية في نيويورك وهو أيضا كبير المراسلين الدوليين لوكالة يونايتد برس الاخبارية العالمية: ـ يبدو أن أميركا قد ورثت بريطانيا (العظمى سابقا) لقد كان السلام الذي (فرضته) الامبراطورية، البريطانية في القرن التاسع عشر (باكس بريتانيكا) يقوم على أساس أن يد بريطانيا العسكرية تطال كل أرجاء العالم من خلال سيادتها أو سيطرتها بالقوة البحرية وأيضا بالقدرات التجارية والصناعية.. وها نحن أولاء بازاء السلام الأميركي (باكس أميركانا) الذي يبدو وكأن بينه وبين سلفه البريطاني أكثر من سمة أو سمات مشتركة.. من هنا يصبح مبررا القول بأن أميركا (اليوم) هي وريثة الامبراطورية، البريطانية وكما دخلت بريطانيا مرحلة هيمنتها الامبراطورية أو عظمتها الامبريالية (الاستعمارية) بعد عشرين عاما من حربها ضد فرنسا ـ نابليون فها هي أميركا وقد ورثت الآن ثمار نجاحها في الحرب الباردة (مجلة السياسة العالمية ـ وورلد بوليسي ـ عدد صيف 2002). امبراطورية من خيال صحيح أن الكاتب الأميركي الذي نحيل اليه يتحفظ على القول بهذه النزعة الامبراطورية، الأميركية ويسميها في دراسته المنشورة «امبراطورية من صنع الخيال» لكن الصحيح أيضا أن التيار الذي تسبح فيه الادارة الحاكمة حاليا في البيت الأبيض ينادي علنا بتكريس قوة الهيمنة الأميركية ولا يتورع عن دفع واشنطن الى الانفراد باتخاذ اجراءات من جانب واحد وبصرف النظر عن أي قرارات قد تصدر بالسلب أو الايجاب عن مجلس الأمن الدولي هذا فضلا عن رفع هذا التيار أو الاتجاه شعاره الشهير: ـ من ليس معنا فهو ضدنا. ـ ومن ليس معنا فهو بالضرورة مع الارهاب. وفي هذا الصدد يستعيد الأستاذ مارتن ووكر ما يتردد من أجراس تلك النزعة الامبراطورية ـ الامبريالية في كتابات مفكر أميركي بارز هو روبرت كابلان الذي نشر سطورها في أحدث كتاب أصدره بعنوان «سياسة المحاربين» يدعو أميركا الى أن تنشر الرخاء في أقاصي العالم في ظل نفوذ أميركا الامبريالي.. الناعم الرقيق! ويعلق مارتن ووكر قائلا: ـ إن «كابلان» يكتب سطوره هذه مرددا النغمات التي سبق وسمعها الناس من دعوة رديارد كبلنغ (1865 ـ 1936) شاعر الاستعمار والامبراطورية البريطانية.. وكانت دعوة كبلنغ موجهة الى أميركا منذ مئة وأربعة من الأعوام.. فبعد أن اجتاحت الجيوش الأميركية جزر الفلبين عام 1898 وتولت أمر ادارتها حكومة احتلال أميركية (يتردد الآن سيناريو مشابه بالنسبة لاجتياح العراق) كتب الشاعر الاستعماري الانجليزي العتيد أبياتا تقول: ألا فاحملي عبء الرجل الأبيض وخوضي حروبا وحشية ضروسا للسلام واطمعي أفواه الجوعى وأوقفي زحف المرض وهكذا كانت دعوة «كبلنغ» لأميركا في آخر القرن التاسع عشر.. لا عجب إذن أن يصدر كاتب أميركي اسمه ماكس بوت كتابا في هذا الخريف.. في مقتبل سنوات القرن الحادي والعشرين يتناول فيه أعمال أميركا العسكرية ويحمل عنوانا متناقضا وعجيبا يقول: ـ حروب السلام الوحشية الضروس! الاتجاه الثاني وهو اتجاه غير رسمي ـ بل هو شعبي وجماهيري وأهلي ومدني ـ وهو ذلك الذي يعارض شن الحرب على العراق وعلى غير العراق.. يرفض الحرب.. لأنها حرب وكفى.. وكأنما يردد قول الشاعر الجاهلي القديم: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم فضائل الحرية ولأن حرية النشر والتعبير ما زالت إحدى سمات النظام الليبرالي في الولايات المتحدة.. فكم تحفل كبريات الصحف بصفحات اعلانية مدفوعة من جيوب كاتبيها تحتكم الى الرأي العام وتصدر عن منطق التبصير والتحذير، ومنطق التنوير أو حتى التعقيل والترشيد. هذا الاتجاه الترشيدي كما قد نسميه عبر عنه من داخل الكونغرس السناتور الديمقراطي المخضرم روبرت بيرد وهو من أقدم أعضاء مجلس الشيوخ حين أعلن عن دهشته إزاء ما أسماه «تلك الشهية التي انفتحت فجأة لشن الحرب على العراق فكان أن تملكت أوصال إدارة الرئيس بوش والكونغرس على السواء». لقد دعا البرلماني العجوز.. وهو من ولاية وست فرجينيا الى أن يعطي أعضاء الكونغرس أولا الى الناخبين في دوائرهم بالحواضر والأرياف.. وأن يقاوموا تلك الاندفاعة ـ الهرولة كما يسمونها في السياسة العربية ـ الى خوض الحرب واشعال فتيلها. وفي هذا يضيف السناتور بيرد قائلا في مقالة نشرتها نيويورك تايمز (10/10/2002): ـ علينا أن نصغي الى الناس جيدا، فبينما سيكون الكونغرس هو الذي يصّوت على قرارات الحرب فإن هؤلاء الناس ـ الشعب الأميركي ـ هو الذي سيدفع الثمن من حياة أبنائه وبناته. رجال البيزنس يعترضون في داخل أميركا أيضا يضم اتجاه معارضة الحرب شريحة اجتماعية ـ اقتصادية تسترعي الاهتمام الدقيق والعميق كيف لا وأمامنا ذلك الاعلان المنشور يوم الاثنين 14/10 على صفحة كاملة في كبريات الصحف الأميركية.. والاعلان يحمل رأي قادة قطاع الأعمال والتجارة (البيزنس) الذين حشدوا صفوفهم وأجمعوا رأيهم في اطار حملة للتوعية والتنبيه والتحذير تحمل العنوان التالي: ـ قادة قطاع الأعمال من أجل رسم أولويات معقولة ـ حملة صدق للأغلبية. وبلا مواربة.. وعلى طريقة رجل الأعمال ولغة الاقتصاد المباشرة.. يفكر هؤلاء القادة ـ وهم بالطبع مواطنون مخلصون لبلادهم وهم بداهة الأدرى بشعابها والأحرص على مصلحتها وأيضا على مصالحهم الاقتصادية ـ يفكرون بطريقة البيع والشراء.. يستدعون ما ذكرته إدارة الرئيس بوش حين قال أركانها أن حملة الحرب ضد العراق أشبه ما تكون بسلعة جديدة يطرحونها في السوق وقد اتبعوها ـ يقول المنشور ـ بحملة اعلان وترويج ـ حملة علاقات عامة رهيبة بكلفة ملايين عديدة من الدولارات لكي يقبل على شرائها (بمعنى الاقتناع بها) جماهير المستهلكين. وعلى طريقة المنتوجات السلعية يواصل قادة البيزنس في أميركا حملتهم محتجين بأن السلعة المطروحة تفتقر الى أصول البيع والشراء.. المستهلك مثلا يشتري علبة السجائر ويقرأ عليها التحذير التقليدي من مغبة التدخين، لكن السلعة إياها ـ ضرب العراق ـ مطروحة للتداولولا تحمل ـ حسب الأصول ـ تحذيرا للمستهلكين وقد أخذ قادة التجارة والاقتصاد على عاتقهم توجيه هذا التحذير قبل فوات الأوان وبما يحقق مصلحة بلادهم القومية بالدرجة الأولى. تحذيرات من العواقب والتحذير المنشور ينبه الى أن أميركا على حافة كساد اقتصادي وأن دخل الأسر المعيشية في نزول ومعدلات الفقر في أميركا في تصاعد والهوة الفاصلة بين أثريائها وفقرائها في اتساع والفوائض المالية التي كانت متاحة حتى الماضي القريب (هل تذكر حقبة كلينتون؟) ذابت وتبخرت ليحل محلها عجز هائل في الموازنات وأسعار البورصة تواصل هبوطها. ثم تعالوا الى البيت الأبيض ـ يضيف قادة الأعمال الأميركيون ـ إن تقديراته تصل بتكاليف الهجوم على العراق الى 200 مليار دولار وعلى المواطن الأميركي أن يتخيل ماذا يمكن أن تصنع بلاده بمئتي ألف مليون دولار وهنا يحسبها رجال الأعمال المعارضون قائلين: بهذا المبلغ نستطيع أن ندفع مرتبات 200 ألف من المعلمين الجدد وضباط الشرطة الجدد ورجال الاطفاء الجدد وعلى امتداد فترة تدوم نحوا من عشر سنوات ونستطيع أيضا أن نبني عشرة آلاف مدرسة جديدة. إن الحرب هي الجحيم.. نار السعير الموقدة ونحن نناشد الرئيس بوش أن يطامن خطاه وأن يؤجل طرح سلعة الحرب في سوق الوطن.. أن يعطي للأمم المتحدة فرصة.. وأن يولي اهتمامه الى المهام الملّحة للعمل في الداخل.. الخ. وبعد... فالصراع الفكري والاعلامي محتدم ولا يزال بين التيارين: بين دق الطبول وترديد ايقاع المارشات وبين الدعوة الى التأمل والرشد والتعمق في ما يمكن أن تؤول اليه عواقب الأمور. ذلك هو جدل الحياة ذاتها: بين غرور القوة وبين رشد العدل وهو صراع يظل محتدما مادامت حياة البشر فوق الأرض. ـ كاتب مصري