الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 دشنت مؤسسة الفكر العربي انطلاقتها الأولى الأحد الماضي في القاهرة ووجه الأمير خالد الفيصل رئيس المؤسسة كلمة اعتبرها نداءً للأمة العربية دعا فيها الجميع وناشدهم بأن الوقت أصبح كالسيف لم يعد يحتمل مكاناً للخلافات بين الأمة حكومة وشعباً مفكراً وتاجراً يميناً ويساراً، فالكل كما قال في سفينة واحدة تجابه عاصفة عاتية فإما ان يعمل الجميع لانقاذها وإلا غرقت وغرق معها الجميع. وتكلم الآخرون بضرورة مواجهة الغزو الفكري والثقافي وعدم الربط بين الارهاب والاسلام وان تكون البداية الصحيحة في وحدة الهدف والفكر والتحديات التي تواجه العالمين العربي والإسلامي وضرورة صياغة مشروع ثقافي عربي تطرحه مؤسسة الفكر العربي للمرحلة المقبلة. ولا أعرف لماذا استحضرت ذاكرتي وأنا أتابع اعمال وكلمات المؤتمر الأول للمؤسسة فيلم «الحدود» للفنان السوري المبدع دريد لحام فالجميع جاءوا لانقاذ عبدالودود التائه عن هويته، وأنا شخصياً لا أعرف هل هو «الوطن العربي» الذي يواجه تحديات فعلاً عاتية أم هو «الفكر العربي» الذي ضربناه في مقتل من الداخل وأفقدناه توازنه لعدم إيماننا بالحوار بل وصدّرنا للغرب والمجتمع الدولي على طبق فضة صفات الارهاب وخلعناها على كل ما يختلف معنا ودفعناه للخروج دون أن نوفر له البديل أو دون أن نشركه أصلاً في حوار من أي نوع! وأصبح بالتالي من العسير على السفينة بل أي سفينة أن تمخر عباب البحر في مياه ضحلة غير عميقة ناهيك عن الخلل الكبير الذي يهددها من الداخل نظراً لانعدام الصيانة المستمرة واللامبالاة لإصلاحها فنخرها السوس من الداخل لأن قمرة القيادة غير عابئة بمن على متنها أو من ينتظرون على شطآنها. ولعل التساؤل الذي يتداعى للذهن فوراً هو كيف تتحاور مع تلك العولمة القاسية التي لا ترحم وترمينا باتهامات جاهزة مسبقاً دون ان ننمي فكرة التحاور الخارجي من الداخل وتفريخ أهل الفكر الحقيقيين وليس الدخلاء أو من يرزحون على صدور منابر الفكر العربي من النخبة المسيسة التي ما ان تفتح صنبور الشاشات الوطنية أو الفضائية حتى تفاجأ بحوار هزيل وفكر غير أصيل يكشف فوراً عن مناخ عقيم لا يرتكز على خلفية وطنية لشحذ همم الأوطان واستنهاض الأمة بل ان المهمومين بقضايا الأمة لا يجدون منابر لطرح أفكارهم إذا اتسمت بالمعارضة. ودخول رجال الأعمال لمؤسسة الفكر العربي تفيد رجال الاعمال وتوسع علاقاتهم وفكرهم الاقتصادي ويكون المردود النهائي إفادة أيضاً للفكر العربي. والملاحظ ان السياسيين هم الذين حظوا بنصيب الأسد لطرح الفكر العربي وليس المفكرين الذين قد يحملون أفكاراً اكثر اتساعاً وشمولاً فطرح السياسيون ما تؤمن به الحكومات وليس ما يؤمن به واقع الفكر والفرد العربي. ونحن ـ في النهاية ـ لا نحمل معاول هدم لكل ما يرتقي بالمواطن العربي الذي هو أصل الفكر العربي وصاحب الوطن العربي وهو نفسه الذي اكتشف فجأة انه عارٍ تماماً أمام تحديات الآخرين ويلهث تحدياته الاجتماعية بعد عشرات السنين من تحرير الأوطان من مستعمريها الأجانب فإذا به ضحية مستهلكة بشكل مستمر لمناخه الداخلي فاضمحل بالتالي فكره واستكانت شخصيته ودخل في رقاد طويل وأصبحت السفينة كما قال الأمير خالد الفيصل تتطلب فعلاً علاجاً حاسماً وان يعمل الجميع لإنقاذها وإنقاذ ركابها وإلا غرقت وغرق معها الجميع... لا قدر الله.