تراثيات

الاربعاء 24 شعبان 1423 هـ الموافق 30 أكتوبر 2002 لما مات أحد الخلفاء اختلفت الروم واجتمعت ملوكها، فقالوا: الآن يشتغل المسلمون بعضهم ببعض، فتمكننا الغرة منهم والوثبة عليهم، وعقدوا لذلك المشاورات، وتراجعوا فيه بالمناظرات، وأجمعوا على أنه فرصة الدهر، وكان رجل منهم من ذوي العقل والرأي غائباً عنهم، فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه، فلما أخبروه بما أجمعوا عليه قال: لا أرى ذلك صواباً، فسألوه عن علة ذلك فقال: في غد أخبركم إن شاء الله تعالى، فلما أصبحوا أتوا إليه وقالوا: قد وعدتنا أن تخبرنا في هذا اليوم بما عولنا عليه، فقال: سمعاً وطاعة، وأمر بإحضار كلبين عظيمين كان قد أعدهما، ثم حرش بينهما وحرض كل واحد منهما على الآخر، فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل على الكلبين ذئباً كان قد أعده لذلك، فلما أبصراه تركا ما كانا عليه، وتألفت قلوبهما ووثبا جميعاً على الذئب فقتلاه، فأقبل الرجل على أهل الجمع فقال: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، ولا يزال الهرج بين المسلمين ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العدو، فاستحسنوا قوله واستصوبوا رأيه، فهذه صفة العقلاء. ابتنى الحجاج الخضراء بواسط (مدينة بين البصرة والكوفة) فأعجب بها، فقال لمن حوله: كيف ترون قبتي هذه وبناءها؟ فقالوا: أيها الأمير، إنها حصينة مباركة منيعة، نضرة بهجة، قليل عيبها، كثير خيرها، قال: لم تخبروني بنصح. قالوا: لا يصفها لك إلا الغضبان، فبعث إلى الغضبان فأحضره، وقال له: كيف ترى قبتي هذه وبناءها؟ قال: أصلح الله الأمير، بنيتها في غير بلدك لغير ولدك، لا تدوم لك ولا يسكنها وارثك، ولا تبقى لك، وما أنت لها بباق، فقال الحجاج: قد صدق الغضبان، ردوه إلى السجن، فلما حملوه قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين» فقال: أنزلوه، فلما أنزلوه قال: «رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين» فقال: اضربوا به الأرض، فلما ضربوا به الأرض قال: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى». فقال: جروه، فأقبلوا يجرونه وهو يقول: «بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم» فقال الحجاج: ويلكم اتركوه، فقد غلبني دهاء وخبثاً، ثم عفا عنه، وأنعم عليه وخلى سبيله. أبوصخر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات