الاستيطان يفجر أزمة سياسية ويثير الانقسام بين الاسرائيليين ـ بقلم: ماجد كيالي

الاربعاء 24 شعبان 1423 هـ الموافق 30 أكتوبر 2002 أثارت محاولة الجيش الإسرائيلي تفكيك نقطة جلعاد الاستيطانية، من جهة، والمقاومة الشرسة التي واجهه بها المستوطنون المتطرفون، من الجهة الثانية، أزمة سياسية كبيرة في إطار الائتلاف الحاكم في إسرائيل، كما أدت هذه المواجهات إلى خلق تداعيات سلبية في إطار المجتمع الاسرائيلي. وقد وصف عوزي بنزيمان ماجرى بالقول: «تصرف أولئك الملقبين بـ «شبيبة الجبال» يذكر بسلوك حليقي الرأس في أوروبا والولايات المتحدة: زعران، عنيفين، يحبون المشاجرات ولا شيء يقف في طريقهم..وفي ارض إسرائيل طراز 2002 يقوم ذلك باسم حب الوطن..هؤلاء الرعاع نجحوا في فرض إرادتهم: قوات الأمن لا تجرؤ على الوقوف في وجوههم ولا يصغون حتى لصوت الحاخامات..هؤلاء من إنتاج مجتمع وضع القوة والجبروت في مركز هويته وكينونته واستطاع أن يفرض إرادته على دولة إسرائيل.(هآرتس 20 اكتوبر 2002). على الصعيد الحكومي هدد حزب العمل بالانسحاب من الحكومة إذا بقي ايفي ايتام زعيم حزب المفدال فيها. وكان ايتام، هذا، قد تهجم على بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع وزعيم حزب العمل واصفا إياه بأنه أحمق وكذاب ولا يستحق أن يكون وزيرا في الحكومة. وبالطبع فقد ردّ بن اليعازر على هذه التهجمات معتبرا أقوال إيتام بمثابة تحريض أرعن مشابة للتحريض الذي سبق اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، إسحاق رابين، وأكد أنه تلقى عشرات التهديدات من مجهولين « فيها كل شيء: شتائم، تهديدات، اهانات، اوامر دينية، اعلانات غريبة».(معاريف 25 اكتوبر 2002) ولا يعرف أحد إلى أين يمكن أن تصل هذه المسألة خصوصا في ظل الضغط الاميركي لتجميد الانشطة الاستيطانية لتهدئة الاوضاع على الجبهة الفلسطينية ولتهيئة المناخ اللازم لحربها ضد العراق. من ناحية ثانية وإزاء هذا الوضع كان من الطبيعي ان يعبر قطاع واسع من الاسرائيليين عن تبرّمهم من المستوطنين الذين يريدون شق المجتمع الاسرائيلي وابقاء إسرائيل في دائرة التهديد، من خلال اصرارهم على استمرار الاستيطان والاحتلال، وقد وصل الجدل حول جدوى المستوطنات إلى حد حصول انقسام، بمعنى ما، في المجتمع الإسرائيلي بين جمهور مقيم (في مناطق 1948) وبين المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، حيث بات الجمهور الأول يعتبر المستوطنين عبئا عليه، من النواحي السياسية والأمنية والمادية، في حين عبر المستوطنون عن سخطهم على هذا الواقع، وهم الذين يعتبرون أنفسهم الرواد الذين يحاولون تجديد المشروع الصهيوني وحماية الفكرة الصهيونية في «أرض الآباء والأجداد»! في هذا الاطار أكدت بعض استطلاعات الرأي أن ثمة 60 بالمئة من الاسرائيليين يميلون إلى القبول بتفكيك المستوطنات في إطار حل مع الفلسطينيين. وبحسب استطلاع رأي في أوساط المستوطنين أجري لصالح حركة «السلام الآن»، مثلا، أكد 68 في المائة من المستوطنين انهم سيلتزمون بقرار الاخلاء وأن 26 في المائة منهم سيقاتلون ضد القرار ولكن بالوسائل القانونية فحسب، بينما أعرب 6 في المائة منهم فقط أنهم سيقاتلون ضد القرار بكل الوسائل. أيضا في الاستطلاع أكد 59 في المائة من المستوطنين أنهم سيتركون المستوطنات مقابل تعويض مالي، وأكد 23 في المائة أنهم سيطالبون بالانتقال الى مستوطنة أخرى في المناطق فيما سيبقى 9 في المائة في المستوطنة التي سيتم اخلاؤها. (يديعوت أحرونوت 25 يوليو 2002) وفي استطلاع أخر نشرته معاريف، يوم 25 اكتوبر، أكد 49 بالمئة من ناخبي الليكود أنهم لا يعارضون اخلاء الأنوية الاستيطانية غير القانونية في المناطق، في حين نشرت «يديعوت أحرونوت»، في نفس اليوم المذكور، استطلاعا للرأي في أوساط حزب العمل، أكد فيه 78 بالمئة منهم موافقتهم على اخلاء بعض المستوطنات. وما يجدر بنا ذكره هنا هو أن المستوطنين البالغ عددهم حوالي220 ألفا في الضفة والقطاع المحتلين ليسوا من نسيج واحد فإن منهم البرغماتيين والعلمانيين والمتدينيين والمعتدلين والمتطرفين، ولكن ثمة نواة صلبة تعادل ربع هذا العدد، محسوبة على اليمين الديني والقومي المتطرف، تقف وراء تعزيز النقاط الاستيطانية وتحرض على مقاومة أية محاولة لتفكيك المستوطنات. ويعتبر اليمين القومي والديني المستوطنين طليعة المجتمع الإسرائيلي وهم بالنسبة للمتدينين ينفذون أوامر الرب بالعودة ألى ارض الميعاد! وهم بالنسبة للقوميين حراس الصهيونية. وكانت امونه الون قد عبرت عن حالة الانقسام في المجتمع الاسرائيلي، إزاء المستوطنين، من خلال الفرق بين الرد الإسرائيلي العنيف على العملية التي يقتل فيها مواطن عادي، وبين الرد الروتيني على العملية التي يقتل فيها مستوطن. وبرأي يهودا ليطاني فإن المستوطنين المتطرفين هم:«مجموعة من الأشخاص ذات النزوات المسيحانية يعتبرون أنفسهم طليعة..هذه المجموعة: «المستوطنون الإيديولوجيون»..تجر شعب الدولة منذ عشرات السنين إلى حافة الهاوية..فيما يبدو لهم وجودهم في المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين كعمل صهيوني وطلائعي جدا. انهم الحجر الثقيل الكبير الذي نجره معنا منذ 1967. انهم العبء الذي سوّد وجه إسرائيل وغيّر صورتها الى دولة طاغية متغطرسة.. إذا لم نوافق على إخلاء جزء كبير من المستوطنات في المناطق لن نصل الى أي سلام ووضعنا الاقتصادي السياسي والاجتماعي سيشتد والحجر الذي نجره وراءنا سيزداد ثقلا الى درجة انه سيجرنا معه الى الاسفل.(يديعوت أحرونوت 1 أغسطس). وكما هو معلوم فإن أحد أسباب اندلاع انتفاضة الأقصى تمثل في استشراء النشاط الاستيطاني في عهد باراك، لذلك كان من الطبيعي أن قسما كبيرا من فعاليات المقاومة تركز ضد المستوطنات والمستوطنين، بحيث أكدت الانتفاضة على خواء الجدوى الأمنية للمستوطنات التي تحولت إلى عبء أمني واقتصادي وسياسي على إسرائيل وفضحت حقيقة وجودها الاستعماري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأدت إلى انخفاض التزايد في المستوطنات. يقول اليكس فيشمان: «ان حراسة المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة هو وهم. لا يوجد امر كهذا. صحيح انه يوجد سياج، ويوجد حراس واستثمرت مليارات الشواكل هناك خلال السنوات في الحراسة والحماية ولكن هذه بئر بدون قاع».(يديعوت أحرونوت 24 ابريل 2002) ويبيّن التقرير الدوري للمركز الاسرائيلي لحقوق الانسان «بتسيلم» حجم الاجحاف الذي يسبّبه الاستيطان للفلسطينيين حيث أن منازل نحو مئتي ألف مستوطن إسرائيلي، يعيشون في الضفة الغربية، تقوم على 1.7% فقط من أراضي الضفة ولكن الدولة وضعت تحت تصرف هؤلاء 42% من مجمل أراضي الضفة الغربية. والمسألة بالطبع لا تقف فقط عند مساحة الأراضي وإنما هي تطال نسبة المياه حيث يتمتع هؤلاء المستوطنون بمصادر المياه الفلسطينية بنسبة تزيد باضعاف عما يتمتع به الفلسطينيون، كما أن وجود هؤلاء المستوطنين في كتل استيطانية يقطع أوصال الضفة الغربية، التي يفاقم منها وجود الطرق الالتفافية والحواجز العسكرية، التي أقيمت بهدف حماية المستوطنين. وإضافة إلى كل ذلك فإن وجود مجموعات متطرفة (دينية وقومية) بين المتطرفين تشكل خطرا على أمن الفلسطينيين، مثلما حدث بقيام باروخ غولدشتاين بارتكاب مجزرة في الحرم الابراهيمي الشريف في العام 1994، ويكفي أن بضعة مئات من المستوطنين في الخليل يتحكمون بحياة أكثر من ربع مليون فلسطيني. ومعروف أن مصير المستوطنات، مع قضايا أخرى مثل: اللاجئين والحدود والقدس والترتيبات الأمنية، أحيل على المرحلة الأخيرة من المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي إحدى الثغرات الخطيرة في اتفاق أوسلو (1993) ولكن هذه القضية ظلت مستعصية على الحل بسبب تشابكها مع قضيتي القدس والحدود، وهما قضيتان لم تحسما، لدى الجانب الإسرائيلي، لذلك اعتبرت قضية المستوطنات إحدى العقبات أمام عملية التسوية، لا سيما أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة والمحاذية للقدس والخط الأخضر. المهم أن قضية المستوطنات باتت من القضايا التي تستوجب الحسم ليس فقط بالنسبة للفلسطينيين وإنما بالنسبة للإسرائييلين، أيضا، كما بالنسبة للمجتمع الدولي. ويؤكد زئيف شيف هذه الحقيقة بقوله: «الصراع الجاري اليوم هو بمثابة مفترق طرق. والمسألة المركزية التي ستقف أمامنا هي هل تريد اسرائيل مواصلة الاحتلال وقمع شعب آخر؟.. هذا صراع استراتيجي في جوهره، والآن تجري مراجعة أولية عامة استعدادا له.. الحديث يدور حول انتصار كبير للمستوطنين. غير ان هذا الانتصار سيكون انتصارا أليما اذ سيحول اسرائيل الى دولة استعمارية احتلالية بكل معنى الكلمة..الكفاح في سبيل كل المستوطنات، وليس فقط على «الأنوية غير القانونية»، كفاحا شموليا، سيحظى فيه الفلسطينيون بالتفهم سواء في الأسرة الدولية أو في أوساط المجتمع الاسرائيلي (هآرتس 25 اكتوبر 2002). ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات