بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الاربعاء 24 شعبان 1423 هـ الموافق 30 أكتوبر 2002 في عام 1903 ولد الفن السينمائي الخاص بأفلام الكرتون على يد «ستيوارت بلاكنون» الذي انشأ مدرسة فنية لتعليم صناعة الافلام الكرتونية. وقد التقطت هوليوود كعادتها تلك الصناعة الوليدة مستغلة غرام الاميركيين بالقصص الساخرة المصورة في الصحف لتقوم بتنفيذها سينمائيا في فيلم كرتوني يحكي قصة بحار ضعيف تتغير حالته إلى القوة الخارقة حينما يتناول السبانخ!! وقد ابتكر شخصية بوباي في الاصل الاخوان ماكس وران فليشر للاعلان عن السبانخ المعلبة في بعض الصحف غير ان البحار الضعيف «بوباي» تحول الى العالمية والشهرة على يد سينمائيي هوليوود الذين نقلوه من عالم الرسم الصامت الى عالم الصور المتحركة ليخطف ابصار معجبيه الصغار في دول العالم كلها بحركاته الرشيقة وقدراته الخارقة!! ومن هوليوود إلى والت ديزني الاسم الاشهر في عالم مبتكري الشخصيات الكرتونية تتواصل الجهود الحثيثة في تقديم نماذج معلبة لاطفال العالم يتعلقون بها، ويقلدون أبطالها، ويرونها النموذج الاوحد الذي يستحق الاعجاب والاطراء. وقد بلغ عدد الشخصيات الكرتونية الشهيرة التي قدمتها والت ديزني 200 شخصية، اشهرها على الاطلاق ميكي ماوس، الذي تزامن ظهوره مع السينما الناطقة سنة 1928، ثم توالت بعده الشخصيات الكرتونية التي ابدعتها عقول رسامي والت ديزني ونشروها في العالم كثقافة جديدة يتجرعها الاطفال، ويقتاتون عليها عاما بعد عام في مباراة مع الزمن الذي ترك المجال مفتوحاً على مصراعيه لنجوم ديزني الذين توجوا ابطالا بالتزكية وبدون منافس، لانه لم يقو اي منافس خارجي على ان يزاحم ذلك النفوذ الهائل الذي استوعب الخارطة البرامجية في شتى المحطات التلفزيونية بدول العالم، مستحوذاً على افضل ساعات البث، واوقات الذروة من العرض اليومي قاذفا الى الخلف اي محاولة للوصول الى المستوى العالي من الاتقان الفني، والتنفيذ المتميز، والمهنية اللافتة التي جلبت مئات الملايين من الدولارات، ومعها اصطادت عقول الفتيان والفتيات في العالم العربي الذين هرعوا الى المكتبات، ودور العرض، والى كل واجهة او نافذة تقدم شيئاً من المنتجات التي تحمل شعار ديزني. ولم يبخل مروجو تلك الصناعة الكرتونية على المعجبين الصغار بالمزيد من المنتجات التي تحمل صور ابطال ديزني بشتى القوالب والهيئات من اجل محاصرة اطفال العالم بتلك الثقافة الوافدة التي تعبر عن روح المجتمع الاميركي وعن قيمه واسلوبه في التفكير، ونمطه الحياتي السائد. وتوالت النجاحات لتؤكد ان الجهازين الاداري والتنفيذي في ديزني قد اديا المهمة بنجاح، واستطاعا ان يجعلا من ميكي واصدقائه حلفاء حقيقيين لاطفال العرب والمسلمين. فها هو ميكي يستقر في حقيبة المدرسة، ملوحاً باشارة النصر، متواجداً فوق كل منتج له علاقة بالتعليم، بدءاً من الحقيبة التي رسمت عليها صورة المغامر الجسور ميكي، وانتهاء بالجورب المدرسي ليتأكد الطفل الصغير ان صديقه ميكي يشاركه رحلته اليومية من والى المدرسة فاذا ما عاد الطفل الى بيته وجد ابطاله المغامرين هم اول المرحبين به، يراهم اينما يمّم وجهه في انحاء المنزل، على شاشة التلفاز، وعلى شرائط الفيديو، يؤنسون وحدته، ويملأون عليه وقت فراغه، خاصة اذا كان محظوظاً بأبوين كلاهما مشغول عنه. واذا ما اراد ان يتناول الطعام احضرت الاطباق والملاعق وعليها صور ابطاله المميزين، فاذا ما سئم من مشاهدة البرامج المتلفزة واراد ان يلهو ويلعب فان عشرات الافكار جاهزة بين يديه واغلبها من انتاج ديزني. وحين يأتي المساء، ويأوي الى غرفة نومه تتضاحك تلك الصور امامه في كل ركن من اركان غرفته الصغيرة. وفي اللحظة التي ينام فيها يكون آخر شيء شاهده في يقظته هي تلك الصور الملونة التي رسمت على غطاء السرير، وفوق الوسادة. وفي الصباح تأتي امه لتسأله عن نومه وليلته فيطمئنها ان ابطال ديزني كانوا ابطال احلامه كعادتهم معه في اغلب الليالي!! ان ما صنعته ديزني باطفالنا هو انتصار كبير للقيم الاميركية، وتبشير مبكر بالعولمة التي جعلت منها رائدة اولى في التأثير على عقول الاطفال مسجلة بذلك سبقا زمنيا واضحاً على العولمة الاقتصادية التي تقودها اميركا في الزمن الحاضر. مؤكدة على ان الطريق لتحقيق العولمة الاقتصادية لن يمر إلا بعد العولمة الفكرية التي اختص القائمون على ديزني بأخطر جزء فيها. وسواء علينا اعلمنا ام جهلنا فان الطريق مازال مفروشا بالورود امام المزيد من هذا العبث العالمي البغيض!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات