ابجديات ـ تكتبها: عائشة ابراهيم سلطان

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 في كلمته التي افتتح بها أعمال منتدى دبي الاستراتيجي في دورته الثانية صباح امس، ركز الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، على مجمل المحاور التي تشغل بال الكثيرين من المهتمين بقضايا التنمية في العالم العربي ـ باعتباره جزءاً من منظومة العالم الثالث ـ الذي يتخبط في دوامة مرعبة من التخلف، ويدور منذ عقود طويلة في حلقة مفرغة من التحركات والمناقشات والاجتماعات الداعية للتنمية، والتطوير، وبناء قواعد مشتركة للتعاون في شتى المجالات، وتحرير الاقتصاد، وإرساء حقوق الانسان و.. الخ، وهي المطالب التي ظلت حبراً على ورق لعدم توافر النوايا السياسية الصادقة والملتزمة بتحويلها الى واقع ملموس. اليوم نحن نستمع الى مسئول في أعلى قمة الهرم السياسي في الامارات، يتحدث في القضية ذاتها، ويعلنها بشكل صريح وبمنتهى الشفافية بأن «الحكومات مسئولة عن قيادة حركة التنمية، والتخلص من كافة اشكال البيروقراطية وأساليب العمل المتخلف، ذلك بأننا اذا لم نبادر الى ذلك، فإن الفساد سيعيد انتاج نفسه»، وهي نقطة في غاية الاهمية والحساسية، خاصة عندما تطرحها القيادة السياسية تحديدا، وفي اطار منتدى عالمي يضم كبار رجال العلم والفكر والسياسة والاقتصاد والمال والاعلام. بداية لابد من الاعتراف فيما يتعلق بمعضلة التنمية في العالم العربي، والكلام ينسحب على معظم منظومة العالم الثالث، بأننا في هذا العالم نعاني حالة سيئة جدا من الخلط والتشابك اللاعقلاني في الادوار والسلطات والمسئوليات، حيث يختلط العام بالخاص، ويهيمن السياسي على آلية الحراك الاجتماعي، وتتدخل السلطة أو ممثلوها في عمل وتوجهات مؤسسات المجتمع المدني بدرجة أو بأخرى، وتمد البيروقراطية والفساد وشبكات المصالح الخاصة ظلالها لتعطل الكثير من خطط وبرامج التنمية، مما يضطر الكثيرين للمناداة والمطالبة بقرار سياسي عاجل لحل المشكلات والمعضلات الطارئة والثابتة والمتحولة، مما يزيد المشاكل حدة وتراكماً! وعليه فان الخلاص من ادارات التخلف ومنظومة البيروقراطية والفساد ـ الذي اشار اليه سمو ولي عهد دبي في كلمته الافتتاحية يضع المفتاح في قفله المناسب، مما يعنى انه يفتح الباب مشرعاً وبوضوح لمناقشة واحدة من اخطر تحديات التنمية في مجتمعنا وبلداننا العربية وهي المبادرة العاجلة للقضاء على الفساد وعدم افساح المجال له ليتمكن من اعادة انتاج نفسه، ذلك ان الفساد شأنه شأن الميكروبات والجراثيم تتوالد بشكل مذهل، وتعيد انتاج نفسها بسرعة كبيرة! وكما أكد سمو الشيخ محمد فإنه لا توجد قضية أكثر اهمية وخطورة من مواجهة التحديات بالاصرار على التنمية الشاملة على جميع الاصعدة، ويأتي على رأسها تنمية الانسان، وتطوير الموارد البشرية، فالانسان هو رأسمال المجتمع، ومحرك التنمية وهدفها ووقودها ايضا، وكل ما يبذل من اموال وجهود ووقت فانه يبذل بالانسان ولاجل الانسان، من اجل تحقيق التنمية على الجبهات الاخرى والنجاحات في الميادين المختلفة. ولاجل التنمية، ولتكريس رؤية دبي من خلال منتداها الاستراتيجي، ومن خلال توجهات ولي العهد سمو الشيخ محمد بن راشد ومبادرته بقيادة حركة التنمية، فإن الدعوة لتكريس البنى القانونية في المؤسسات كافة وخاصة المؤسسات المعنية بقيادة برامج التنمية، تعتبر دعوة مهمة ومطلبا ضروريا، فالفساد لا يواجه بغير القوانين الرادعة، وفي ظل بيئة مؤسسة على آليات عمل واضحة، وقوانين ثابتة وصريحة، وشفافية مطلقة في قضايا المتابعة والمساءلة والمراجعة. نعتقد بأن ما جاء في كلمة سمو الشيخ محمد بن راشد من أرقام ومعلومات بشأن معدلات الانتاج وحجم المشاركة العالمية والقومية لدول العالم الثالث مقارنة بدول متقدمة كاليابان والمانيا مثلاً، واشارته الى مسئولية الحكومات فيما آل اليه وضع العالم الثالث وفيما يمكن ان تلعبه هذه الحكومات مستقبلاً في اطار التغيير والتنمية، كلها اشارات مهمة، واطار عمل في غاية الخطورة، اذا ما دارت الحوارات حول تطويره والدفع به ليتحول الى واقع في عالمنا العربي والعالمثالثي. علينا فقط ان نتذكر بأن المانيا واليابان هذين البلدين اللذين يشكلان اليوم اقوى الاقتصادات على مستوى العالم، قد خرجا بعد الحرب العالمية الثانية ركاماً من الدمار والهزائم والاملاءات المذلة من قبل الحلفاء المنتصرين، ومن يراجع سجلات المانيا واليابان منتصف القرن العشرين (اي منذ 50 عاما فقط) لن يقرأ عن شيء سوى الدمار والعدم وآلاف القتلى والانهيارات والاحباطات و.. الخ، اليوم وبعد 50 عاماً هناك واقع اخر تماما، بنته ارادة الانسان وتحديات العزيمة، والحلم بمستقبل افضل، والايمان بقدر الامة وقدرتها على النمو والمواجهة، نحن نحتاج الى هذا الحلم، والايمان بقدرتنا وقدرنا ونحن نتحدث عن التنمية الشاملة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات