استراحة البيان ـ فم لا غير ـ يكتبها اليوم: جمال الغيطاني

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 تطلعت الى الباب منتظرا ظهورها، أخبرني موظف الاستقبال بوصولها، قال إنها تعتذر لوصولها متأخرة بعض الوقت، بالضبط خمس وعشرون دقيقة، بالأمس عبر الهاتف اتفقنا على الحادية عشرة والنصف. (لا بأس.. دعها تتفضل).. توقي الى رؤيتها متأجج، لا أتذكرها على الاطلاق، عبثا حاولت استعادة أي ملمح يوحي به صوتها، تبسمت نبراتها وتوددت فلم أشأ ردها خائبة عندما قالت: (أكيد نسيتني..) (كيف؟ وهل هذا معقول؟) إجابة عامة، حذرة، تحتمل الصدق أو المجاملة، لا أدري دافعي على القبول، ربما إقبالها، وغموض الموقف، أو نبراتها المقتحمة، الراجية أيضا، اضافة الى تأهب كامن ممزوج بتوق الى مبادرة. عندما فتح الباب على مهل وكأنها تأبى الظهور مرة واحدة، وقفت مرحبا، متطلعا، محاولا استيعاب الملامح، لكنني عبثا حاولت استعادتها، لم يكن لها أي قياس أو مرجعية عندي، لا من قريب أو من بعيد. مؤكد أنني لم أعرف هذه القسمات، شعرها غلامي القصة، قصيرة، اطلالتها واثقة، عيناها فسيحتان، يستقر في منطقة قصية منهما حزن يصعب توصيفه أو شرحه، ربما كان هذا أول سعيي اليها هذه المرة، هذا إن صح وجود لقاء سابق محاه الزمن من ذاكرتي، لكن ما أبدته من ود لا يتناسب مع أمر عابر. آثرت التزام الحذر، أن أجيب بألفاظ تحتمل أكثر من معنى، محايدة، أن أحتفظ بابتسامة مجاملة، مع تحسس دروبي اليها بحذر، لعل لحظة مباغتة تضئ هذه العتمة. تلفتت حولها، تتأمل اللوحات المعلقة على الجدران، صورة ملتقطة لوقفة في ميدان القلعة، وشهادة أعتز بها من زمن الحرب. (كل شئ كما رأيته منذ عشر سنوات.. لا.. أكثر قليلا..) تبدي انشغالا بالغرفة ومحتوياتها لتحيد مؤقتا عني، أشارت الى تمثال صغير، نموذج لأصل موجود في المتحف المصري، كاهنة مصرية اسمها تي، خضبة الطلة، وافرة التقاسيم، انتبهت الى تشابه بينهما، تكوين الرأس. اتصالها بالعنق، شكل الشعر، غلظ الشفتين. (هذا جديد..) لم أكن واثقا، التمثال منذ سنوات هنا، يلفت نظر كل من يجيء لزيارة المكتب، تبدو متعلقة به، كأنها تكتشفه في كل لحظة، لمحة عينيها، جسارة نظرتها وترددها خشية أي بادرة مني لا تتوقعها. (وحشتني..) تودع في اللفظ شفرتها وسر فهمها وحلها أيضا، أعقبته بطلة داعية، ربما فوجئت بحيرتي، تقول عاتبة. (انت نسيت..) أبدي المبالغة في الاحتجاج، بذلك ستثير أحزاني، أرجو منها أن تخبرني عن أحوالها منذ آخر لقاء، تتبدل ملامحها، مزيج من أسى وغضب. (لكم سببت لي من ألم، أقصيتني عنك بقسوة، لم تعبأ بشعوري، قسوت عليّ، ورغم هذا كله أجيئ لأسأل عنك وأشوفك..) آه، بارقة لم أبد أي اشارة لإدراكي لها، تعلقت بحيز الفم منها، شفتاها تحتفظان بانفراجة مصدرها بروز أسنانها الأمامية، ملمح مستقر في موضع ما عندي لا يمكن تحديده، ثمة صلة بهذا الفم أو بآخر يشبهه، أثق بوجهها، لكنني لا أعرف مداها، ظروفها، أخشى النفي بالقطع أو الجزم فأنهي أمرا كان قائما بالفعل، يغيب عني الآن، ربما استعيده فيما بعد، خاصة أن ثمة اشارة ماثلة أمامي، ذلك الفم، تلك الانفراجية المعبرة تحضّني على الاستمرار، أن أنطق بما يحتمل المعاني والمتناقضات المتقابلة. (يبدو أنني سببت لك قدرا هائلا من الألم بغير قصد..) ترفع رأسها، تبدو أكثر حدة.. (بغير قصد؟ كيف؟ هل نسيت كلماتك؟ ألم تدفعني عنك، ألم تقصني إقصاء؟) (أرجو أن تضعي في الحسبان ظروفي؟) تتلفت حولها. (يخيل إلي أن الظروف لم تتغير..) (ربما صارت أقسى..) تبسمت تعود الى اللحظة التي نطقت فيها وحشتني، نظري يثبت تجاهها، لا أحيد. (إذن.. لم يتغير شئ..) (ما أحتاج اليه الوقت، والأمان..) (ماذا تقصد؟) (إنني أشبه بالسجين، عمل مكثف ومسئولية غير هينة، عمل ترتبط به مصائر آخرين لابد أن ينجح، لابد أن يستمر..) تمهلت. قالت: (أنت تمهد لإيلامي كما فعلت أول مرة..) يتهدج صوتها، تضم شفتيها، يبدو الفم أجمل، زهرة قانية لم تتفتح بعد، لا شيء يعبر عن الانسان مثل الفم، يبدو عليه الأسى أو الفرح أكثر مما يبدو على الوجه أو في عمق العينين، تولي شطر الجدار المواجه، أفاجأ بدمعة، الى هذه الدرجة. من هذه؟ أرجو ألا يدخل أحد من الحاملين الآن، الفراغ مفعم بالتوتر والمعاني الخبيئة، يمكن لأي منهم استنتاجها، احرص ألا أغلق الغرفة، فقط عند اضطراري اجراء مكاملة مهمة، أو كتابة مذكرة تقتضي تركيزا، الدمعة لا تعقبها أخرى.. لا يربكني مثل بكاء أنثى. (هل تعرفين ما أتمناه الآن؟) تتطلع (أريد أن أتحدث اليك على راحتي.. يمكننا أن نتناول الغداء أو العشاء معا، أدعوك.. اقبل دعوتي..) (أنا شرقي، لا أعرف كيف يمكن أن تدعوني امرأة..) (لا.. أنت لا ترغب..) (بالعكس.. لم أكن راغبا فيك مثلي الآن..) (صحيح؟!) أغدقت عليّ ينابيع غامضة داخلي دفئاً حنونا غمرني فأيقظ كوامني المجهدة، لم يكن ما أتجه اليه ملامحها أو حضورها المكنون وقوامها المتسق، ليس لمعة عينيها إذ تتوجهان نحوي في خليسات خاطفة محملة بالدعوة. إنه فمها. ليس فقط لأنه الملمح الوحيد الذي أثق من رؤيته في ذلك الوقت البعيد المنقضي والذي تشير اليه بإصرار وأواجه هذا كله بعجزي عن اضاءة تلك المنطقة التي تحدد ما يفصلنا عنها بنحو عشر سنوات. (جئت السنة الماضية وأشتريت هذه الشقة قرب الهرم ليكون لي هنا مرتكز، ليس مهما عدد السنوات التي تمضي في الخارج، المهم أن يكون لي مكان هنا..) (لم أكلمك بمجرد وصولي، هل تعرف كم مضى عليّ منذ وصولي؟) يبلغ التضاد مداه عند الانتظار المتسائل، المتطلع، نتبادل التوقع، هي تتأهب للإصغاء الى جوابي، ويطول توقي الى انفراجة تزيد عمري، حتى أني لا أرى ما عداهما، ما عداه، ويتساوى صوتها عندي، الصادر عنها الآن أو من بعيد..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات