خط مباشر ـ أسطورة الصحفي الحر! ـ بقلم: أحمد عمرابي

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 هل هناك فعلا وواقعا حرية صحفية بالمعنى الحقيقي؟ لا أتحدث عن العالم العربي فقط ولا حتى العالم الثالث بأكمله، وانما تساؤلي يشمل العالم بأسره بما في ذلك المجتمعات الصناعية المتقدمة التي ترسخ فيها النظام الديمقراطي الليبرالي بما ينطوي عليه من «حريات» مدنية». كما ان الحديث ليس محصورا في الصحافة المطبوعة وانما يشمل ايضا الصحافة الالكترونية (الراديو والتلفزيون). السؤال المطروح ليس جديدا.. وانما يعاد طرحه بمناسبة نشر ما اطقلت عليه جمعية «مراسلون بلا حدود» الفرنسية «اول ترتيب عالمي لحرية الصحافة». واذ يتكون الترتيب من قائمة تشمل 139 دولة فإن ابرز استخلاصات هذه القائمة ما يلي من حيث الحرية الصحفية: ـ جاء في الطليعة اربع دول اوروبية هي فنلندا وايسلاندا والنرويج وهولندا.. وبعدها مباشرة كندا. ـ الولايات المتحدة جاءت في المرتبة 17 تسبقها كوستاريكا في المرتبة 15. ـ لم تفز اي دولة عربية بمرتبة ضمن المراتب الخمسين الاولى.. وعلى سبيل الامثلة حل لبنان في المرتبة 56 والعراق في المرتبة 130 وسوريا في المرتبة 126 وليبيا في المرتبة 128 وتونس في المرتبة 129. ـ اسرائيل جاءت في المرتبة 92. ـ على الصعيد الافريقي جاءت بنين في المرتبة 21 بينما جاءت اريتريا في المرتبة 132. ورغم ان هذا الترتيب يلقي ضوءا على اوضاع حرية الصحافة في كل من الدول المذكورة، الا انه ليس من الحكمة الاخذ به كنتيجة نهائية موثوق بها. فالمعيار الاساسي الذي جرى عليه ترتيب القائمة هو كيفية تعامل السلطة مع الصحفيين من حيث الاعتقال والسجن لاسباب تتعلق بمدى حرية ممارسة المهنة الصحفية اليومية. وبذا تتجاهل جمعية «مراسلون بلا حدود» المعيار الاهم الذي يطعن على اي معيار آخر. ألا وهو رأس المال والملكية. اذا أردت ان تحدد التوجه العام لاي وسيلة اعلامية ـ صحيفة او محطة اذاعية او قناة تلفزيونية ـ في اي مكان او اي زمان فأسأل اولا: من هو المالك فصاحب التمويل هو الذي يقرر سياسة الوسيلة الاعلامية ابتداء وانتهاء. قد يكون المالك فردا او مجموعة افراد او منظمة سياسية او حكومة.. وفي هذه الحالة فإن الصحفي المهني العامل في اي مستوى من مستويات العمل المهني ـ ابتداء من المخبر الميداني الى الاداري الاكبر ـ ليس بوسعه ممارسة حرية صحفية الا بمقدار ما يخدم سياسة المطبوعة او المحطة الاذاعية او الفضائية التلفزيونية، او على الاقل لا يتعارض معها. وفي هذا يستوي الصحفيون جميعا.. فهم موظفون بأجر، سواء العاملون في صحيفة اقليمية في زمبابوي او قادة التحرير الاخباري في قناة «سي إن إن». في الدول الصناعية الديمقراطية يتحكم في ملكية الوسائل الاعلامية رأس المال الخاص. وفي دول العالم الثالث الاستبدادية فإن الوسائل الاعلامية تخضع اجمالا للطغمة الحاكمة لانها اي الطغمة الحاكمة ـ هي التي تسيطر على رأسمال الدولة الذي يعتمد عليه تسيير القناة التلفزيونية او المحطة الاذاعية او الصحيفة الكبرى. في كلا الحالين اذن تخضع المؤسسات الاعلامية لوضع احتكاري احتكار يمثله رأس المال الخاص. وآخر تمثله سلطة الدولة. ان الهيئة الاحتكارية سواء في العالم المتقدم او العالم المتخلف هي التي تحدد للعمل الاعلامي مدى حريته وكيفية استخدام هذه الحرية.. وفي اي اتجاه.. ومع من وضد من.. اعتمادا على المصالح السياسية للشركة العملاقة التي تمتلك شبكة صحف او قنوات تلفزيونية او محطات اذاعية في الولايات المتحدة مثلا، او السلطة الحاكمة التي تملك صحفا قومية تعتمد رواتب الصحفيين العاملين فيها على اعتمادات مالية سنوية من الخزانة العامة. ونعرف ان في الولايات المتحدة مثلا شبكة اعلامية عملاقة وجامعة تضم الى جانب قناة «سي إن إن» مجلتي «تايم» ونيوزويك يملكها ملياردير واحد. ونعرف ان هناك عددا من المليارديرات يملك كل منهم شبكة تضم سلسلة من الصحف والمجلات او شبكة تضم عشرات من المحطات الاذاعية. ان لمثل هذه الشبكات بالطبع سياسات ثابتة مستوحاة من المصالح الرأسمالية لأصحابها.. هذه السياسة تتنزل من اعلى مستوى الى ادنى مستوى فتترجم عمليا الى قيود تكبل الحرية المهنية للصحفي العامل فتنعكس على كيفية صياغة الرواية الاخبارية وكيفية التعليق وكيفية اعداد تحقيق صحفي او ندوة تلفزيونية او مقابلة اذاعية ليعطي كل ذلك انطباعا معينا مقررا سلفا لدى القاريء او المشاهد او المستمع. اما وسائل الاعلام في دكتاتوريات العالم الثالث فإن اداءها محكوم ببساطة بفرمانات. والخلاصة هي اننا نعيش في عالم بلا حرية!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات