الحرب اقسى عندما تكون ضد مجهول ـ بقلم: عبدالعزيز آل محمود

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 مع نهاية الحرب العالمية الثانية كانت طائرات الحلفاء ترمي بحممها على جميع المدن الالمانية، وجيوشها تكتسح اراضي الرايخ الثالث بنية تدمير تلك الدولة بشكل كامل، وقد حققت اهدافها بنجاح، بحيث لم يبق من يستطيع او يتجرأ على الحديث نيابة عن الشعب الالماني، وسقطت النازية ومعها استقلال المانيا وجبروتها العسكري، ولكن المنتصر وجد نفسه مسئولا مسئولية كاملة عن تسيير الحياة، واطعام الجياع وبناء المانيا مرة اخرى، وظهر مشروع مارشال الى الوجود، وكانت المرة الاولى والاخيرة التي يصرف فيها المنتصر على المهزوم بكرم حاتمي ليعيد بناء مادمرته الالة الحربية. في اقصى شرق العالم، كان الامر مختلفاً بعض الشيء، فقد صعد الامبراطور الياباني سليل الهة الشمس الى السفينة العسكرية الاميركية ليوقع على وثيقة الاستسلام، ثم يعود الى قصره تحيط به مجموعة من اعوانه ليقع على عاتقه اعادة بناء دولته من جديد تحت الرقابة الدقيقة من قبل الجنرال ماك ارثر الحاكم العسكري المطلق لاسيا خلال تلك الفترة. أما في العراق، فقد تم التوقيع على وثيقة الاستسلام في خيمة نصبت على عجل في وسط الصحراء، عاد الضابط العراقي بعدها الى حكومته يحمل تلك الوثيقة بيده، بدون أي رقابة قوية من قبل الجنرال شوارتسكوف الذي كان معتمدا على قوته العسكرية المحيطة بالعراق والتي اثبت انه يستطيع استخدامها مرة اخرى عند الحاجة. في افغانستان، اعتمدت الولايات المتحدة الاميركية على قوة داخلية لتحقيق اهدافها مدمرة كل البنى التحتية والعسكرية لطالبان والقاعدة، واستخدمت قوة الدولار لشراء الولاءات القبلية والاقطاعية، واستوعبت الكثير من قادة طالبان ضمن العسكرية الطاجيكية لتقوم تلك العمائم بتمثيل دور التوازن القبلي والعرقي في افغانستان. هذه اربعة سيناريوهات عسكرية مختلفة، ولكل منها ميزات ومساوئ للمنتصر الذي يملي شروط الاستسلام. إن التنظيمات العسكرية كالدول تماما، فهي تملك العقل الذي يسيطر على التنظيم، ثم الاعضاء المتحركة التي يستطيع بها العقل التحرك وفرض هيمنته، ولنصورها كالاخطبوط الذي لديه العديد من الاعضاء يحركها عقل واحد، ففي الحالة الالمانية تم القضاء على الاعضاء والعقل تماما، واضطرت اميركا لتغذية تلك الدولة صناعياً حتى يتكون لها عقل غير متأثر بدعاية الرايخ الثالث، ثم نمت الاعضاء نموا طبيعيا بطيئا حتى قامت الدولة على قدميها، ولكن هذا الامر كلف الحلفاء والولايات المتحدة الاميركية كثيرا من الاموال والوقت للقيام بذلك، ولكن النتيجة هي وجود المانيا نظيفة نقية مأمونة الجانب. أما في الحالة اليابانية، فقد تركت تلك الدولة لقدرها تنهشها المجاعة، حتى جاءت الرحمة مع الحرب الكورية فتحركت آلتها الصناعية لصالح المجهود الحربي الاميركي وقامت اليابان على قدميها بجهود ابنائها الذين احسنوا استغلال الفرصة التي قدمت اليهم على طبق من ذهب، فقد تم قطع الاطراف والابقاء على الرأس الذي طلب منه المساعدة على انشاء اطراف جديدة غير القديمة منها. الحالة العراقية غريبة بعض الشيء، فالولايات المتحدة الاميركية لم ترغب في التدخل فيها، بل حاصرتها حصارا قاسيا قاتلا رغبة منها في رؤية نظام جديد موالٍ لها يخرج من رحم الخراب الذي تقوم به من بعيد، فمن وجهة نظرها ان الدم الاميركي اغلى من ان يراق على تراب العراق، فليحطم الفخار بعضه بعضا، ولنضرب المعارضة بالحكومة ونخرج سالمين بالغنائم، ففي مثل هذه الحالة لاتصرف القوة المنتصرة شيئا، بل تنتظر لقطف الثمرة ناضجة بعد ان تسقى بدماء ابناء البلد انفسهم، ففيها بقي المغلوب كما هو مسيطرا عليه بمطرقة ضخمة وضعت فوق رأسه لتمنعه من الحركة والتصرف كما يشاء. اما الحالة الافغانية، فهي شبيهة بقطع الرأس وتقليم اظافر الاطراف وتطعيمها باطراف جديدة لها مخالب حديدية، فيبقى الشكل العام قائما، ولكنه في حقيقة امره مشوها تشويها لايكاد يبين. هذه الحالات تنطبق ايضا على التنظيمات كالقاعدة، والحركات الاسلامية في جنوب شرق اسيا، ولكن الولايات المتحدة لشدة غضبها وشعورها بالمهانة، فانها لم تبق على عقل تستطيع الحديث معه والسيطرة عليه، فهي تقوم بالهجوم على الراس لتدميره، ثم تقطع الاطراف، او على الاقل تحاول ذلك، مع علمها بان الاطراف قد تكون اكثر فتكا بدون وجود رأس مدبر لها، فهي لاتريد ان تطبق أي من السيناريوهات السابقة على صراعها مع الحركات الاسلامية المسلحة، وقد يأتي اليوم الذي تتمنى فيه ان يكون هناك متحدث باسم القاعدة او غيرها من الحركات فلاتجد سوى صمت متبوع بصوت انفجار قوي قادم من المجهول. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات