حوار صريح مع مارتن انديك وتوماس فريدمان ـ بقلم: د. أحمد القديدي

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 كنت مدعوا ومتحدثا في ندوة العلاقات الاسلامية الاميركية التي نظمتها وزارة الخارجية لدولة قطر ومؤسسة بروكنس الاميركية (من 19 الى 21 اكتوبر الجاري)، والتي حضرها اقطاب الاميركان اليهود بالتحديد ومنهم مارتن انديك الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية الاميركية لشئون الشرق الاوسط (97 الى 99) وعمل سفيرا للولايات المتحدة في اسرائيل على مرحلتين (95ـ 97) ثم (2000ـ 2001)، كما كان مساعدا مقربا من الرئيس كلينتون حين تحمل مسئولية قضايا الشرق الاوسط وجنوب آسيا في مجلس الامن القومي، وهو اليوم يرأس مركز حبان لابحاث سياسات الشرق الاوسط ويدرس العلوم السياسية في جامعة هوبكنز. كما شارك في الندوة الشهير بتحليلاته توماس فريدمان والذي يكتب مقالاته في السياسة الخارجية الاميركية منذ عشرين عاما على صفحات «نيويورك تايمز» وقد صدر كتابه الاخير بعنوان «خطوط الطول والعرض.. عبر العالم بعد 11 سبتمبر»، وهو الذي اشتهر كذلك بنقل مبادرة ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز حتى تجسدت في مؤتمر قمة بيروت العربية. ومن اليهود المعروفين ايضا شاوول باخاش صاحب العديد من الكتب عن ايران والاسلام والنفط والاستاذ بجامعة «جورج ميسون» وكذلك ستيفن كوهين استاذ السياسة في جامعة «ويسكنسين» وحضر جمع من المثقفين العرب والخليجيين تحديدا منهم الشيخ يوسف القرضاوي وزير خارجية سلطنة عمان يوسف بن علوي ووزير الاعلام القطري السابق د. حمد عبدالعزيز الكواري وآخرون عديدون من الزملاء الذين ادلوا بدلائهم في هذا اللقاء. وبالطبع كانت الندوة ثرية وجدية، فهؤلاء الزائرون استمعوا الى وجهات نظرنا والتي اعطى اشارة انطلاقها وامير قطر في افتتاحها، حين اكد ضرورة التفريق بين الارهاب والكفاح من اجل حقوق مغتصبة، وكذلك الشيخ يوسف القرضاوي الذي حلل نظرة الشريعة للجهاد واين ومتى يجوز وماهي منطلقاته واهدافه واستمعنا الى مداخلات اميركية نقلت الينا هواجس الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر والخوف من اسلحة الدمار الشامل التي.. قد يمتلكها العراق وربطوا ما بين الارهاب وبرامج التربية والتعليم في بعض الدول العربية والخليجية وحاولوا اقناعنا بأننا كلنا على مركب العولمة وان هذه العولمة تحمل مباديء وقيما كونية وقالوا لنا: لابد ان تنخرطوا فيها. والذي يلفت النظر هو السكوت الكامل الشامل لضيوفنا عن انتهاكات اسرائيل للقانون الدولي ولقرارات مجلس الامن والاخلاق في الحرب والسلم سكوت مطبق شعرنا انه خطط له قبل بدء الندوة حتى يكون التركيز على اجندة اميركية خالصة هي اولا تجريد العراق ثم محاربة «الارهاب» في كل مكان اي في فلسطين، وهي نظرة شارونية ليكودية لايشاركه فيها جانب كبير حتى في اسرائيل ذاتها وفي اميركا نفسها. وتكلمت انا عن اخطاء السياسة الخارجية الاميركية منذ نصف قرن وهي الدولة التي تملك اكبر عدد من مراكز استشراف المستقبل ومعاهد الدراسات الاستراتيجية ومن تلك الاخطاء بل واخطرها الانحياز الاعمى لاسرائيل ضد الحقوق الفلسطينية واشعال الحرائق بين العراق وايران على مدى ثماني سنوات، ومنذ 11 سبتمبر الرد على الارهاب بارهاب اكبر والقيام بصناعة اعداء وهميين في مجتمعات اسلامية مسالمة، وتحدثت ما استطعت عن اصل كل الحرائق الراهنة ومركز كل الزلازل الحالية والكامنة في تعفن القضية الفلسطينية بلا افق سياسي منظور، وتنامي حالات العداء لاميركا لانها هي التي تقف وراء المظلمة التاريخية الكبرى التي تشهدها فلسطين من خلال الاحتلال الوحيد الباقي في العالم ومن خلال القتل والتجريف والحرق والتهجير. هنا يقع مركز الزلزال العالمي المخيف المهدد للناس جميعا ومن هنا ينطلق الحل اذا ارادت اميركا ان تسمع لاصوات الحق واصوات مصالحها بالذات. وتكلم جمع من الزملاء العرب تقريبا بنفس المنطق واستعملوا نفس البراهين للتدليل على اننا نقف جميعا على فوهة بركان، والاقرب للخطر هي اسرائيل ذاتها وهي ثكنة معسكرة تعيش وتتنفس برئة اميركية محاطة بثلاثمئة مليون عربي وفيها مليون عربي وحولها مليار وثلث من المسلمين الغاضبين على هذا الظلم الساطع فأية خرائط جديدة مبتدعة تريد واشنطن رسمها على انقاض خرائط الحرب الباردة وبأيدي من وكيف سيقتنع العرب والمسلمون بحسن نواياها وهي التي تضم ثالث مقدساتهم ـ بيت المقدس ـ لليهود لتصبح عاصمة دولتهم ضد الشرعية الدولية ذاتها فالعالم الذي يرسمه الاميركان عالم مخيف وقائم على كف عفريت وخال من الاخلاق وعدو للانسانية ولم يريدون الترويج له تحت شعار العولمة واقتصاد السوق وثقافة السلام. اما الموضوع الاساسي الآخر الذي تدخلت فيه فهو محور تجديد برامج التعليم وقد قلبت الاتهام ضد برامج التعليم الاميركية ذاتها وقلت بأنني وجدت انشغالا اوروبيا عاما بأخطار تصدير العنف والموت في برامج التعليم والاعلام الاميركية للعالم حيث يقوم عدد متزايد من زملائنا في باريس وبرلين وامستردام بمقاومة اقراص الليزر والسي دي روم الاميركية وافلام الكرتون والخيال الاميركية وهي تنقل لاطفالهم عقيدة العنف بل ان اطفالنا جميعا يشاركون في القتل من خلال ألعاب البلاي ستيشن.. واكدت للزملاء الاميركان ان العالم بأسره يخاف برامجهم لا برامجنا مع ان كثيرا من برامج تعليمنا تستحق المراجعة والتعديل. هذه كانت بعض الحوارات الصريحة مع لوبيات تحسن مواجهتها بالحوار والحجة وانارتها في حدود الامكان بنظرتنا وتحليلنا وتقييمنا. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات