استراحة البيان ـ العجوز.. والبنك ـ يكتبها اليوم: محمد الخولي

الاثنين 22 شعبان 1423 هـ الموافق 28 أكتوبر 2002 عندما يبلغ المرء سن الثمانين - وعليك خير - ناهيك أن يتجاوزها ولو بقليل يكون قد عاش باسم الله ما شاء الله نحوا من ألف شهر قد تقل وربما تزيد.. ساعتها يخلع الناس على هذا.. الكائن الثمانيني أو الألف - شهري إن شئت - صفات التجربة والحنكة وشمائل الحكمة والعقل.. كيف لا وقد عايش الحياة عركها وعركته طيلة رحلة طويلة تألفت من مراحل وأزمان ومن أعمار وأحقاب من الحلو ومن المر ومما هو بين بين، الحلو - مر كما يقول وكما يشرب اخوتنا أهل السودان؟ لا عجب أن يتفاوت المعمّرون في التعبير عن مشاعرهم بين سخط أو رضا ازاء ما كسبوه من سنوات العمر الطويل. هكذا قرأنا كلمات زهير بن أبي سلمى وهو من فحول الجاهليين أصحاب المعلقات وقد عّمر الى الثمانين يقول: سئمت تكاليف الحياة ومن يعشْ ثمانين حْولا، لا أبا لك، يسأم ولكننا قرأنا أيضا قولة صاحبنا - أظنه المتنبي - الذي أصبح يألف الشيخوخة.. ربما من فرط المعايشة وربما طلبا لما تجلبه لصاحبها المسنّ من شارات الحكمة وتوقير الاحترام.. وربما من فرط اليأس أو قلة الحيلة.. المهم أن صاحبنا أرسل بيته الشهير يقول: خلقت أَلُوفا، لو رجعت الى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا وهيهات.. فربما كان ذلك كله من باب قلة الحيلة أو حلاوة الروح كما يقولون، وإلا لما قالها شاعر آخر بصراحة هذه المرة: ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب وأنت تكاد تحس في عمود تراث الشعر العربي، عند ابن الرومي مثلا، تيارا غريبا وفريدا من تفجع الشعراء بشأن تقدم العمر والتوغل في السن وزحف الشعر الأبيض على الفورين أولا ومن ثم على خصلات الشعر كلها إن بقي منها - مع السن - خصلات أصلا أو حتى منابت أو جذور.. ربما لأن الشاعر - بصفته تلك - معجباني أصلا ويهمه أن تظل صورته - بوصفه نجما من نجوم مجتمعه - طلية رائقة لا يشوبها وهن السن ولا تجاعيد الشيخوخة. وبهذه المناسبة، لك أن تلاحظ كيف أن ثمة قرابة أو نسبا أو فلنقل مصاهرة فيما يتعلق بحكاية أو مصطلح «السنّ» بين لاتينية الرومان وهي أم لغات أوروبا الغربية، وبين عربيتنا الفصيحة الشريفة.. في اللاتينية يستخدمون لفظة «سينكس» للدلالة على الشيخوخة أو تقدم العمر.. ويشتقون منها ألفاظا متداولة في أيامنا منها مثلا سنيور ومعناها الأساسي العجوز ومنها في علم الادارة البيروقراطية سينوريتي وهي الأقدمية الوظيفية.. وبالتالي فالجذر اللغوي المشترك بين العربية واللاتينية هو كلمة سن ومنها طبعا المُسن وفعل أسنّ بمعنى أوغل في العمر أو تقدم في السن أو شابت على أرضه الليالي كما يقول محمود حسن اسماعيل وكما أنشد عبدالوهاب في «النهر الخالد». في تراثنا وربما في كل تراث إنساني تستحضر في خاطرك صورة العجوز.. المسن فاذا به الرجل الكلي الاحترام.. الكلي المشيب.. البطئ الحركة في تؤدة وشبه وقار.. إن تكلم لا ينفعل وإن تحرك فبكل رزانة.. رغباته أصبحت أقرب الى الزهد واحتياجاته لا تزيد عما يقتضيه التقشف. لكن ما قولك في أن هذه الصورة النمطية التقليدية (ستريوتايب) تبخرت في لحظة حين قرأت في صحيفة «نيويورك تايمز» عن أحدث جرائم سرقات البنوك: في آخر سبتمبر الماضي وقعت في كوينز - إحدى ضواحي نيويورك - سرقة مسلحة لبنك «غرين بوينت».. وسرقات البنوك أمر عادي في أميركا.. لكن الأمر غير العادي أن المجرم الزعيم المسلح.. حرامي المصرف كان عمره - فضلة خيرك - 82 سنة (!) دخل السيد أنتوني سادوي باحة البنك.. في خفة - ثمانينية طبعا - اتجه ناحية شباك التحصيل.. أخرج مسدسا من عيار 38 مللي وصوبه - بالأدق عرضه أمام عيني البنت الصرافة المسكينة وأمرها أن تسلمه كل الدولارات التي أمامها شريطة أن تكون من فئة المئة وأيضا فئة العشرين دولارا.. هذا وإلا.. أطلق عليها النار! لم يكن أمام المسكينة سوى مبلغ 3600 دولار أخذها اللص العجوز.. وأودعها حقيبة من قماش ومضى الى نهر الشارع يجر رجليه جرا. صحيح أن الموظفة سارعت بدق جرس الانذار وما كان لجرس الانذار أن يجدي فتيلا لأن اللص أنهى مهمته وغادر المكان وكان أمام الشرطة 15 دقيقة حتى يصلوا الى مسرح الجريمة. وصحيح أن الاحصاءات تقول أن سرقات بنوك أميركا تحدث بمعدل سرقة واحدة كل أربع سنوات. بيد أن الأمر في هذه المرة كان مختلفا.. خرج أنتوني سادوي سارقا يحمل حقيبة بها 3 آلاف دولار وأكثر.. ولكن يحمل على كتفيه ألف شهر من عبء السنين.. في غضون الدقائق الخمس عشرة وجدته الشرطة واقفا ينتظر الباص (!) وفي جيبه - يا للبجاحة - قائمة تضم أسماء 5 بنوك أخرى كان العجوز الفاني ينوي سرقتها. وهو الآن رهين محبس ولاية نيويورك بانتظار تقديمه الى محكمة عليا وليس لمحكمة محلية لأن سرقة البنوك جريمة اتحادية في أميركا. وبالمناسبة فقد أجروا تحقيقا مع موظفة الخزينة.. والتعليمات لديها أن تطيع على الفور أوامر المجرم السارق وأن تسلمه كميات من رزم الأوراق المالية التي تحوي آلاف الدولارات.. شريطة أن تستخدم حصافتها في تقدير الموقف فتدس بين المسروقات رزمة تكون مودعة لديها وتكون محشوة بسائل من طلاء ملون تنفجر عبوته بعد دقائق من مغادرة اللص البنوك فإذا بالصبغة الملونة تغطيه هو وملابسه وغنيمته المسروقة على السواء. الموظفة لم تفعل ذلك.. لأن السارق كان يحمل مسدسا.. وربما لأن قلبها الرؤوم رق لشيخوخته أو ربما لأنها أدركت أنه لن يبتعد كثيرا عن موقع الجريمة. المهم أن ابن الثمانين ونيف.. الحرامي الأميركاني سيحاكم خلال الأيام المقبلة على جريمة تصل عقوبتها الى السجن لمدة عشرين عاما.. نعم عشرون عاما يمضيهن في غياهب الحبس حتى «يتعلم» من أخطائه ولا يعود الى مثل هذه الجريمة في مستقبل الأيام!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات