خط مباشر ـ الصين والعرب ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاثنين 22 شعبان 1423 هـ الموافق 28 أكتوبر 2002 الصين ليست متحمسة للتضامن مع العراق.. وتأييدها للشعب الفلسطيني مجرد كلام.. بل هو كلام فاتر. هذا ما يتردد ليس في الشارع العربي فحسب، بل ايضا في اوساط النخب العربية المثقفة.. وهو اقرب الى اللوم منه الى الهجوم. والمشكلة هي ان آمال وتوقعات الرأي العام العربي من الصين مبنية على افتراضات وهمية بأن هذه القوة الآسيوية الكبرى ملتزمة بنصرة قضايا التحرر انطلاقا من عقيدتها الاشتراكية الماركسية. غير ان الثابت هو ان الصين، بالرغم من التزامها بالاشتراكية في البناء الداخلي، تنتهج سياسة خارجية يقوم مرتكزها الاساسي على مبدأ المصالح القومية. وليس هذا تطورا جديدا تماما. فالنهج القومي الصيني في التعامل مع العالم وضعت ثوابته بصورة نهائية وحاسمة قبل رحيل زعيم الثورة الصيني ماوتسي تونغ خلال النصف الثاني من عقد سبعينيات القرن الماضي. ووفقا لهذا النهج فان الصين منذ ذلك الحين نفضت يديها من الاحزاب والمنظمات الشيوعية في بلدان العالم الاخرى مدشنة بذلك عهد التعامل مع الحكومات فقط بغض النظر عن الهوية الايديولوجية لأي حكومة. فهو تعامل ينطلق من مبدأ تبادل المصالح فقط. وبلغ الأمر بالدولة الصينية وحزبها الشيوعي الحاكم قطع علاقاتها نهائيا مع تلك المنظمات الماركسية في بلدان اخرى التي كانت تعتنق «أفكار ماو». هذه هي الخلفية التي ينبغي ان ننظر من خلالها وحدها في التحرك الدبلوماسي الصيني في ساحة العلاقات الدولية لكي نفهم، وليس بالضرورة ان «نتفهم» المواقف التي تتخذها الحكومة الصينية من حين لآخر تجاه القضايا والأحداث العربية. وابتداء يجب ان نقول ان اعتماد مبدأ المصالح الوطنية العليا كاستراتيجية للتحرك الخارجي لدولة ما ليس مما يعيب هذه الدولة. والواقع ان دول العالم أجمع، صغيرها وكبيرها، تعتنق هذه المبدأ مهما بدا لنا ظاهريا من تمسك بمثل عليا او ايديولوجيات صارمة في حالة او اخرى.. كما تعلن مثلا الولايات المتحدة بأنها تقيس علاقات الصداقة او العداء مع دولة اخرى بمدى التزام هذه الدولة بمباديء الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومن يقبل مثل هذا الادعاء على ظاهره لا يمكن ان يوصف إلا بالسذاجة. كيف اذن تطبق الصين مبدأ المصالح في تحركها بشأن القضايا العربية؟ لنأخذ المسألة العراقية كأحدث مثال. ان الموقف الصيني الرسمي حتى الآن تجاه اعتزام الولايات المتحدة شن حرب على العراق بحجة امتلاك او سعي لامتلاك اسلحة دمار شامل يمكن ان يوصف بالحياد الغامض. ووجه الغموض هنا هو ان البيانات والمواقف الصينية تصاغ بعناية فائقة بحيث يبدو انها تتضمن هامشا احتياطيا يمكن ان يوفر لبكين خط رجعة اذا تراءى لها لاحقا، حسب تطورات الاحداث، ان تميل اكثر الى تأييد الموقف الاميركي. ما موقع هذا الحياد من مبدأ المصالح؟ لو اتخذت الصين اليوم موقفا حاسما للتضامن مع العراق في مواجهة الولايات المتحدة فانها قد تخاطر بفقدان بعض الاسواق في العالم العربي. ذلك ان اغلبية الدول العربية ترغب سرا في ان ترى القوة الأميركية تطيح بنظام الرئيس صدام حسين اليوم قبل الغد.. إما عن قناعة مسنودة بأسباب موضوعية وإما خوفا من استثارة غضب واشنطن. وما تخشاه الصين اذا خرجت بموقف فاصل داعم للعراق هو ان تتحرك دول عربية لتوقيع اجراءات عقابية عليها بايعاز من الادارة الاميركية. فالصين مثل غيرها تعلم علم اليقين ان هناك ارادات عربية خاضعة تماما للارادة الأميركية. علام اذن تتحمس بكين لاتخاذ موقف يمكن ان تنشأ عنه أضرار بمصالحها الاقتصادية والتجارية في الاسواق العربية مضافا اليه غضب واشنطن. في مثل هذا الوضع فان بكين تسائل نفسها عما اذا كان من الحكمة ان تكون ملكية اكثر من الملك او كاثوليكية اكثر من البابا. وانظر للمسألة من وجه آخر. فوفقا لمبدأ تبادل المصالح فتحت الولايات المتحدة اسواقها للمنتجات الصينية.. بينما فتحت الصين اسواقها لشركات اميركية. وفي هذه المعادلة نجد ان الصين هي الطرف الأكثر استفادة. فالمعلم الرئيسي للميزان التجاري بين الدولتين هو فائض لصالح الصين بمقدار نحو 50 مليار دولار.. وهو في الوقت نفسه بالطبع عجز لدى الطرف الاميركي. هذه النتيجة العملاقة لم تبلغها الصين باجترار التمني انما هي ثمرة تفكر استراتيجي عميق وتطبيق عملي حكيم.. وهو تفكر نابع من ارادة حرة وعزيمة استقلالية هي التي انتقلت بالصين من دولة عالمثالثية قابعة في المياه الخلفية الراكدة الى قوة عظمى تسجل اعلى معدلات النمو الاقتصادي في التاريخ البشري. وقبل ان يجنح المثقفون العرب الى انتقاد مواقف الصين في ساحة العلاقات الدولية يحسن بهم أولا ان يتأملوا النموذج الصيني في بناء الذات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات