الفرانكفونية.. محاولة للظهور فى الزمن الأميركي ـ بقلم: أحمد منصور

الاثنين 22 شعبان 1423 هـ الموافق 28 أكتوبر 2002 كان كثير من العمال يحاولون تثبيت نخلة جديدة على طريق الكورنيش فى بيروت إلى جوار عشرات من أشجار النخيل التى زينت كورنيش بيروت قبيل انعقاد القمة الفرانكفونية فى الأسبوع الماضى حينما قال لى مرافقي السائق اللبناني بفرح غامر: «ربنا يكثر القمم يا أستاذ حتى تتزين بيروت دائما» فقلت له «ولكن أنى لهذه النبتات الصغيرة التى زرعت لتوها أن يراها الرئيس شيراك ورفاقه ؟ فقال: «سوف تنبت زهرا خلال يوم واحد وسوف ترى». لكنى بقيت عدة أيام شهدت خلالها العمال وهم يسقون النبتات الجديدة التى زرعت على الحاجز الذى أعيد بناؤه على طريق الكورنيش ـ بالماء صباحا ومساء دون أن تزهر بعد وربما يزدهر وردها خلال قمة قادمة ، فقد كانت بيروت محظوظة إذ شهدت خلال عام واحد قمتين وعدة اجتماعات لوزراء عرب وحاولت أن تثبت من خلال القمة الفرانكفونية التى تعتبر أكبر قمة وأكبر حشد دولي تشهده بيروت ربما فى تاريخها أنها نجحت فى تحقيق الأمن والاستقرار الذى افتقدته طوال العقود الثلاثة الماضية ، كما أن الفرانكفونية التى شكلت كتجمع ثقافى للدول التى خضعت للاحتلال الفرنسى برزت فى قمة بيروت كواجهة سياسية لدعم فرنسا فى محاولة للحضور أمام الهيمنة الأميركية والظهور فى الزمن الأميركي. المسئولون اللبنانيون نظرتهم دون شك كانت مختلفة كثيرا عن نظرة الشعب اللبنانى الذى مازال يبحث عن الرخاء والاستقرار والأمن الذى يوجد له مظاهر جيدة ، لكنه داخل النفوس مازال غائبا إلى حد بعيد، فقد أشاد كثيرون بالدقة والنظام الذى ظهرت به القمة الفرانكفونية والتى كانت أفضل بكثير من سابقتها القمة العربية ، كما كان الحضور الأفريقى المميز حيث مستعمرات فرنسا السابقة وربما الحالية أيضا والتى تزيد على نصف عدد الدول الأفريقية (28 دولة)، شكل هذا الحضور فرصة للمسئولين اللبنانيين حتى يطرحوا مع القادة الأفارقة أوضاع اللبنانيين الذى هاجروا خلال سنوات الحرب إلى هذه الدول وأصبحوا يشكلون جاليات لا بأس بها ولها حضورها المميز فى مجالات التجارة والاقتصاد لكنها أصبحت تفتقد الأمن بعدما حدث فى ساحل العاج. ورغم أن الرئيس شيراك حرص على تقبيل رئيس الوزراء رفيق الحريرى أثناء استقباله ووداعه فى مطار بيروت فيما اكتفى بالسلام على الرئيس إميل لحود وعلى رئيس مجلس النواب نبيه برى إلا أن القمة الفرانكفونية ساهمت فى تجميد الخلافات بين أركان الحكم فى لبنان والتى كانت وصلت ذروتها قبيل القمة ، لكن هذه الهدنة سرعان ما ستنقضى وربما تكون قد انقضت مع القبلة التى طبعها شيراك فى عناقه مع الحريرى أثناء وداعه فى المطار. هذا على صعيد الحكومة فى لبنان، أما اللبنانيون فقد وجدتهم سعداء بإعادة تخطيط وتشجير الكورنيش بالأشجار والنخيل وعلى الحراك الاقتصادى الذى تسببه مثل هذه القمم رغم أنه عادة ما يكون قاصرا على بعض المجالات ، كما أن وسط بيروت أصبح بعد إعادة إعماره الذى روعى فيه النواحى التراثية والجمالية مزارا سياحيا حرص كثير ممن شاركوا فى القمة على زيارته، غير أن الأجمل فى وسط بيروت هو أنك قد تصادف وزيرا أو عضوا بمجلس النواب أو سياسيا بارزا وقد اصطدم كتفك مع كتفه أثناء سيرك فى ساحة رياض الصلح أو أحد الشوارع المحيطة بالبرلمان حيث يتمشى الجميع فى ساعات المساء، وأجمل ما فى بيروت أن أمثالى يشعرون بحقيقتهم التى يحبونها وهى أنهم أناس عاديون، فاللبنانيون كلهم نجوم ومن ثم فلا داعى لأن يشعر أى نجم سواء كان تلفزيونيا أو سينمائيا بأنه مميز عليهم فى شيء هنا، وتكفى إيماءة أو تحية من بعيد لتعبر عن الاحترام والتقدير. ورغم حرص الحضور على إسباغ الجانب السياسى على الجانب الثقافى فى القمة إلا أن الفرنسيين بدا أنهم يعانون من الهيمنة الأميركية فلم يصدروا أي قرارات أو تنديدات يمكن أن تغضب الأمبريالى الأكبر المتمثل طبعا فى الولايات المتحدة ، فقد غاب أى تنديد بإسرائيل فيما يتعلق بلبنان والمنطقة ، كما غاب التركيز عن القضية الفلسطينية في البيان الختامى ولم تكن هناك أى إدانة لاسرائيل جراء ما تقوم به حيال الشعب الفلسطينى ، أما تغيير الامين العام بطرس غالي بأمين عام جديد هو الرئيس السنغالي السابق عبده ضيوف فلم يكن سوى تغيير شكلى، فرغم أن ضيوف مسلم متزوج من كاثوليكية إلا أنه كما وصف رجل علمانى يناضل من أجل العلمانية ، ومن ثم فلا فرق بين بطرس وعبده على رأس المنظمة ، تلك المنظمة التى حاولت الظهور فى الزمن الاميركي لكنها لم تتمكن من التأثير فيه.. لكنها أكدت على شيء مهم أنها تهابه وتخشى مواجهته. ـ كاتب واعلامي مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات