بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الاثنين 22 شعبان 1423 هـ الموافق 28 أكتوبر 2002 تعتبر نظرية الباحث «هوربيتس» في العنف من احدث النظريات التي تحظى بالقبول والتأييد على مستوى الاختصاصيين النفسيين، الذين انضموا الى قائمة المنادين بأخذها بعين الاعتبار في كل محاولة تهدف الى تحديد العوامل المؤدية الى السلوك المتطرف. يقول «هوربيتس» في نظريته الشهيرة: «اذا كانت البيئة خارج المدرسة عنيفة، فان المدرسة ستكون عنيفة». بمعنى ان العنف المدرسي ليس الا انعكاساً للعنف الذي يحدث خارج المدرسة، وذلك لان الشريحة المتواجدة في الميدان المدرسي هي جزء من ذلك المجتمع الصاخب الذي يتابع العنف خارج اسوار المدرسة، ويتأثر اما عن طريق المشاهدة والملاحظة العادية، واما ان يكون الطرف الاضعف الذي يمارس ضده انواع مختلفة من العنف. والمكونات الثلاثة للبيئة التي توجد خارج اسوار المدرسة هي الاسرة، المجتمع، والاعلام وكلما قوي التيار الممارس للعنف، او الذي يعرض العنف ويروج له، كلما ارتفع مؤشر الاستعداد للجوء الى العنف بأشكاله المختلفة، سواء كان عنفا جسدياً، او عنفا نفسيا، او كان اهمالاً او كان استغلالاً للجسد بصورة لا اخلاقية. هذه الاشكال الاربعة هي اركان السلوك السلبي الذي اسمته اللغة «عنفا» لانه في النهاية يؤدي الى الاضرار والحاق الاذى بالطرف الذي يوجه اليه ذلك النوع من السلوك الشائن!! ويعتبر الاعلام احد المصادر المروجة لثقافة العنف من خلال العروض السينمائية، والتلفازية التي اسست لتلك الثقافة، وقدمتها على انها شيء ممكن ومقبول. وقد بلغت نسبة عرض افلام العنف في عموم الدول الغربية ما يقارب 75% من اوقات البث التلفزيوني، بينما تراجع عرض المواد العلمية الى 25% في تلك الدول. اما عن الدول العربية فلا يخفى ان الترويج للعنف لم يعد قاصراً على افلام هوليوود التي استحوذت على دور العرض السينمائي، وعلى الشاشة الصغيرة التي ارتفعت نسبة عرض الافلام الاميركية في مجمل برامجها المستوردة الى اكثر من 60% ومازالت في صعود مستمر!! والجدير بالذكر ان حصة المراهقين من المواد الاعلامية المصدرة للعنف لم تعد قاصرة على الافلام والمسلسلات المجلوبة من اميركا، او غيرها من الدول، انما اصبحت مسلسلات الكرتون احد الشركاء الكبار في تقديم العنف على انه خيار طبيعي، وممكن وليس ثمة سبب يدعو الى رفضه. لانه ـ حسب الطرح الكرتوني ـ السبيل الوحيد لاسترجاع الحقوق، وحسم الصراع. ونظرة سريعة الى مفردات البرامج الكرتونية تؤكد صحة هذا الرأي. فعلى سبيل المثال، تردد في تلك البرامج، وبصورة يومية كلمات مثل «الاعداء» «القتال» «الصراع» و«القضاء على الاعداء». وتعتبر كلمة «جبناء» التي كثيرا ما تتردد على ألسنة ابطال تلك المسلسلات نموذجاً على عدم الالتزام بقواعد الادب واللباقة في اللغة التي تستخدمها تلك العروض الركيكة. وتأتي كلمات مثل «الهجوم»، «ارض المعركة» «الانتقام» «درسا قاسيا لن ينسوه» لتؤكد الاتجاه نحو انهاء الخلاف بطريقة تصادمية بحتة مع اسقاط اية حلول سلمية من تفكير ابطال تلك البرامج. وتوحي كلمة «الاشرار» التي يستخدمها ابطال تلك المسلسلات بالدرجة المتقدمة من العداء التي وصلت اليها العلاقة بين الطرفين، وبالتالي فليس هناك سبيل لـ «سحق الاشرار» الا بالاستعداد «للنزول» الى «ارض المعركة» لتصفية الحساب بالارجل والايدي او بآلات «القتال» المتنوعة الاشكال والاحجام التي تستخدم ادوات لاذكاء الصراع الذي يستغرق تلك الحلقات العسيرة الهضم، والقادرة على تمزيق نفسية المشاهد طفلا كان ام مراهقا، واصابته بحالة من التشرذم النفسي، والقلق، والتوجس من كل ما يدور حوله. حتى اذا ما واجهته اية مشكلة في علاقته بالاقران استحضر احد المشاهد العنيفة التي رآها في التلفاز، واخذ يسقط تلك الايحاءات السلبية التي تراكمت في ذهنه من تلك العروض النارية على مشكلته الطارئة، ويعالجها بنفس المنطق الضعيف، حيث لا عذر، او حوار، انما العنف ولا شيء سواه. ان الاستسلام «لثقافة العنف» من قبل الاباء والمربين هو الذي ادى الى ان يتحول عنف المدارس من «سلوك شاذ» الى «سلوك عادي ومألوف» وكأن شلل المشاكسين اصبحت هيئة معترفاً بها من قبل الجميع، بعد ان فرضت وجودها على الساحة المدرسية وانجزت مهمة التطبيع لسياستها الخشنة. وكأن الكبار لم يعد لديهم ثمة امل بالتحول من ممارسة العنف الى «التسامح» او «الى اي لغة اخرى اكثر جدارة بان يتحدث بها الانسان»!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات