الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 لم يعد خافياً، أن القضية الفلسطينية أصبحت البوابة، أو إذا شئت، الذريعة والشماعة التي يمرر من خلالها الساسة الاميركيون كل ما يصبون إليه من أهداف في منطقة الشرق الأوسط بعامة والمنطقة العربية بشكل خاص. وقد لا يخفى أيضاً، أن جولة نائب مساعد وزير الخارجية الاميركي لشئون الشرق الأوسط وليام بيرنز هذه الأيام، لم تأت عفو الخاطر أو حزناً على الدم الفلسطيني المسفوح من قبل آلة الاحتلال الإسرائيلي يومياً، بقدر ما اعتبرت القضية الفلسطينية الشماعة التي يعلق عليها بيرنز مخططات إدارته الجهنمية بهدف تمرير صفقة الصيد السمين التي تسعى الولايات المتحدة لتمريرها على الجبهة العراقية. بوضوح أكثر ان الخطة الممجوجة التي حملت اسم خريطة الطريق لم تحمل شيئاً جديداً، بقدر ما جاءت كمدخل لإحراج صانع السياسة العربي وفض الذرائع من يده فلسطينياً ما أمكنه ذلك، بعد ظهور المواقف الأوروبية والروسية وحتى الصينية، الممانعة لتوجهات الإدارة الاميركية في ضرب العراق، لدفعه - صانع السياسة العربي - على الموافقة لضرب العراق، بموازاة ذلك تكون الإدارة الاميركية قد حصلت على دعم ليس له نظير في مواجهة الرفض الدولي الحاصل في أروقة الأمم المتحدة بخصوص هذا الغرض بالذات. لكن قبل التوغل بالأهداف والنوايا الاميركية، لا بد لنا من القول ان خارطة الطريق لم تكن مفاجئة لأحد من صناع السياسة العربية، فقد تمخضت هذه الخارطة عن اجتماعات اللجنة الرباعية في نيويورك التي عقدت في منتصف سبتمبر الماضي، والتي تحدثت عن ثلاث مراحل للتحرك، تتلخص حسب المصادر الإسرائيلية والاميركية، في جملة الطلبات السابقة المفروضة على الطرف الفلسطيني،بداية من طلب تشكيل حكومة فلسطينية جديدة وتعيين رئيس حكومة ذي صلاحيات وتشكيل المجلس التشريعي الفلسطيني لجنة لصياغة دستور للدولة الفلسطينية، وانتهاء بقضايا إجرائية مالية لم تتوقف منذ بدء انتفاضة الأقصى وحتى لحظة إطلاق هذه المبادرة القديمة الجديدة . حتى المراحل الأخرى لم تحمل لنا الكثير من المفاجآت، والتي تطالب بذات الإصلاحات التي طلبتها الولايات المتحدة بدفع إسرائيلي واضح، من الجانب الفلسطيني، لنعود مرة ثانية لتقرير ميتشيل وخطط تينيت الامنية . بمعنى أكثر وضوحاً محاولة إلباس المشاريع الإسرائيلية المطروحة سابقاً بلباس جديدة لتقديمه حلاً اميركياً جديداً . والغريب أن الخطة لم تتخل عن اتفاق قيام الدولة المؤقتة كمقدمة لحلول دائمة. ـ لكن بعيداً عما جاءت به الوثائق، يجدر التساؤل عن ماهية الأهداف التي طرحت من خلالها خطة «خارطة الطريق» ؟ ـ الواقع أن الإجابة عن هذا التساؤل ليس لغزاً عصياً على الحل، وأن جل القضية تتلخص في: أولاً: محاولة تحشيد الموقف العربي، ولو جزئياً، حول الرؤية الاميركية، من خلال سلاحي «العصا.. والعصا» هذه المرة على عكس المرات السابقة، التي زار بيرنز فيها المنطقة، والتي كانت توصف بالاستطلاعية وخلق حالة من التفاهم وما إلى ذلك من خطابات مكرورة؛ لكنها في كل الأحوال كانت تحمل العصا والجزرة . ولعلنا أطلقنا على هذه الجولة بأنها تحمل العصا والعصا لأن الطرف العربي يعي جيداً أن ما يقدم من حلول على الجانب الفلسطيني ليس إلا مجرد استبدال لأوليات الإدارة الاميركية، التي لن يقوى عليها العرب على ما يبدو. أي حشد التأييد عنوة لضرب العراق وترحيلاً للحل الفلسطيني إلى أمد غير منظور، وأن مرحلة الحلول ليست سوى لعب دبلوماسي على الحبال، خاصة إذا ما علمنا أن أحد المطالب الأساسية التي قدمت في «خطة الطريق» بضرورة أن تصدر القيادة الفلسطينية بياناً يعترف بصورة لا تقبل التأويل بحق إسرائيل بالوجود بسلام وأمن ويدعو إلى التوقف الفوري للانتفاضة المسلحة ولكل نشاطات العنف ضد الإسرائيليين في كل مكان وتوقف كل المؤسسات الفلسطينية عن التحريض ضد إسرائيل . وهذا الشرط وحده كاف لعرض الصورة على مأساويتها في وضع الفلسطينيين بالمرحلة التي ستلي العراق، وليعيد العرب إلى ذات المربع وإلى نفس الأزمات، لأنه يسقط من الاجندة الفلسطينية حق المقاومة أو حتى الانتقاد لتصرفات إسرائيل الجهنمية حتى في الأراضي المحتلة عام 1967، وهذا الأمر ينسحب بدوره على العرب جميعاً من دون استثناء حكاماً ومحكومين. ثانياً: من خلال هذا النجاح اذا ما حصل ستتمكن الإدارة الاميركية من كسر الارادة الدولية ليس في هيئة الأمم المتحدة وحسب، بل وفي الهيمنة على المنطقة دون منازع يذكر، ومقدمة لكنس كل الحلفاء الدوليين لنصبح بعد ذلك أسيري رؤية دهرية مركبة للتحالف الانكلو ـ صهيوني إلى مدى غير منظور أيضاً. أي أننا بذلك سنعيش حالة الافرقة التي فرضتها الولايات المتحدة بالقارة السمراء، في نهاية الألفية الثانية . بمعنى أدق محاولة لتغييب المشروع العربي - العربي من جهة، وهدم جسور التواصل مع المحيط الأوروبي المتوازن في حال انكفائه من جهة أخرى، والذي بات انكفاؤه قاب قوسين أو أدنى قياساً بالأداء السياسي الحاصل واقعاً. بشكل أدق ستكون المنطقة حكراً اميركياً ومنطقة نفوذ لا يجوز لاحد الاقتراب منها إلا بما يتوافق والمشاريع الاميركية، خاصة إذا ما نجح بيرنز في تمرير الصفقة التي حضر إلى المنطقة من أجلها. ثالثاً: وبالعودة إلى الهدف الأول، يفتح المجال رحباً للمخطط الإسرائيلي الذي سيستغل الانشغال الدولي بطبول الحرب المقبلة على العراق بعد نجاح بيرنز في الحصول على تفويض عربي لضرب العراق، للسيطرة التامة على الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وابعاد القيادة الفلسطينية وأركانها بالقوة إلى الخارج أو تصفيتها وفرض قيادة فلسطينية بديلة شبيهة بالقيادة التي ستخلف صدام، تقبل بكل الشروط الإسرائيلية المطروحة، بذريعة ليس بالإمكان أفضل مما كان أي أنها ترضى بكمنولث يصل إلى بغداد أو بالأحرى يصل إلى حقول كركوك النفطية التي أصبحت البدائل العراقية مسلمة بهذا الحل قبل تسلمها مقاليد الحكم في العراق. ـ كاتب فلسطيني