أميركا ليست قدراً ـ بقلم: محمد صادق الحسيني

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 ليس دفاعاً عن أي حاكم ولا أية حكومة، ولا عن أي أمير أو سلطان أو رئيس، فالحاكم في بلادنا يملك من وسائل الدفاع وأجهزة الحماية عن نفسه بما فيه الكفاية وليس بحاجة لمثل دفاعياتنا. ولكن دفاعاً عن حقنا كأفراد وجماعات وشعوب في تقرير مصيرنا بأنفسنا وحماية مقدرات أوطاننا وثرواتها نسأل أميركا: من أين لك هذا «الحق» الذي تمارسينه لجهة تقرير مصائر الشعوب جميعاً هكذا وبكل صلافة؟! أليست هذه الممارسة هي عين الديكتاتورية التي تدّعين محاربتك لها؟! أليست هذه الممارسة هي عين انتهاك حقوق الناس في تقرير المصير؟! أليست هذه الممارسة هي عين الاعتداء على حق الغير في الاختيار وحق الانتخاب؟! أليست هذه الممارسة هي عين حكومة الغاب التي تدّعين ان العالم «غير المتحضر» يمارسها بحق نفسه، وتزعمين انك قادمة إليه لتحريره منها وبدعوى «استدعاء الديمقراطية اليه»؟! ثم هل سألت ولو لمرة واحدة نفسك إن كانت هذه الشعوب تريد ديمقراطيتك أصلاً؟ أم انها تبحث عن ديمقراطياتها الخاصة بها، وبالتالي قد يكون شرط الحصول عليها وتحقيقها هو التمايز عنك والاختلاف معك ووضع خطوط حمراء في التعامل معك؟! من أين أتيت بهذا «الحق المقدس» بأنكِ أصبحت المعيار لكل ما هو حضاري ومدني وتقدمي وديمقراطي وانساني وكل من وما عداك همجي ومتخلف ومعاد للحرية والسلام والانسانية وارهابي يجب تأديبه ومن ثم تأهيله ليدخل «نادي المتحضرين»؟! أليست هذه هي عين الديكتاتورية والاستبداد بالرأي وعين الهمجية والعودة بالعالم إلى حكومة الغاب حيث السيطرة لصاحب الرمح الأقوى والأمضى؟! لكن المشكلة ليست فيك وحدك وا أسفاه.. فهناك من يزعم أننا أمة ضعيفة لا تملك سوى التوسل إليك! وهناك نائب ايراني يصرح بأنه يخاف أنيابك وتكشيرتك فيطلب مراعاة جبروتك وقوتك الهائلة!! وهناك من يتملقون إليكِ في السر.. وما أكثرهم، وفي العلن ايضاً ممن يبحثون عن فتات ما تنهبينه من مقدرات أوطاننا وثرواتنا في وضح النهار فتظنين للحظة بأنك أصبحت مصداقاً لـ «أنا فرعون». وكما يقول المثل اللبناني «قالوا لفرعون مين فرعنك قال ما حدا ردني». هذه للأسف حكايتك معنا قبل 11 سبتمبر وبعده، فقد كنت تبحثين عن الذرائع دوماً لتبرير فلسفة استعمارك الجديد ونهب ثرواتنا باسم الديمقراطية واشاعة الحريات والتقدم... لا أحد هنا بصدد إنكار ما أوردته العلوم من مدنية وتقدم و.... وهو بالمناسبة من فضل أبنائنا أيضاً ولا ندعي أحدهم الذين لهم الحصة الكبرى فيما آلت اليه بلاد الغرب بفضل هجرة الأدمغة التي لا تنقطع. ولكن كفاك تفرعناً وطغياناً، فالمُلك يتكسر وينهدم مع الطغيان والتجبّر، والعلوم والعلماء سيذهبون مع الريح إذا ما قررت الاستمرار بهذا النهج الظالم والمعادي للإنسانية والبشرية. فالبشرية التي تتحملك اليوم على مضض وأنت تقودين العالم نحو الدمار والهلاك بحجة محاربة الارهاب مرة واسقاط النظام العراقي الخارجي على القانون الدولي أخرى والحبل على الجرار مع أنظمة أخرى سيتوقف يوماً (وقريباً جداً) ويسألك: كيف وبأية معايير تصفين الجلاد ومجرم الحرب الاسرائيلي شارون بأنه داعية سلام وانساني؟!! كيف وبأية معايير تريدين تبرير موقفك في عدم محاسبة عصابات تل أبيب على انتهاكها اليومي لحقوق الانسان الفلسطيني؟ كيف وبأية معايير تسكتين على كل أسلحة الدمار الشامل الهائلة المكدسة في اسرائيل وأنت أقمت الدنيا ولا تريدين اقعادها بعد لأن دولاً شرق أوسطية أخرى تفكر في مبدأ امتلاك مثل هذه الأسلحة؟! كيف وبأية معايير تريدين محاسبة السلطة الفلسطينية وسوريا والسودان وكوبا ولبنان وكوريا الشمالية لأنها تخرج أو بصدد الخروج على ارادتك الهيمنية؟! كيف وبأية معايير تريدين اخضاع الأمم المتحدة واجبار فرنسا وروسيا والصين وكل من يفكر بمناقشتك حتى ببنود صغيرة وتافهة بالمقارنة بما تقومين به من انتهاك للأعراف والقوانين الدولية ثم تصرخين بوجوههم جميعاً.. لقد نفد صبري؟! صبر من الذي نفد، أو في طريقه للنفاد؟.. صبرك أم صبر العالم عليك؟! منذ نحو خمسين عاماً وأنت تسوقين للعالم أجمع «حاملة طائرات» مدججة بأسلحة الدمار الشامل على انها «دولة نموذجية للديمقراطية» اسمها اسرائيل! في الوقت الذي يعرف العالم أجمع، لاسيما بلداننا بأنها ليست سوى قاعدة متقدمة لك ترعى مصالحك الحيوية وأمنك وتؤمن فيما تؤمن وصول الطاقة رخيصة ولبعض حلفائك وتمنع فيما تمنع تحقيق التنمية في بلادنا من خلال اشغالها بحروب وتوترات دائمة. لكنك ومع ذلك كله، لست قدراً، وأيامك و«دولتك» ليست أبدية. من يقرأ بين السطور من التقارير والأخبار هنا وهناك يقرأ تململاً واسعاً في العالم تجاه سياساتك العنجهية والظالمة، لاسيما تجاه أهلنا في فلسطين الصابرة والمرابطة والتي تعض على الجراح والممسكة بحقها وبدينها وبانتفاضتها الباسلة بعنفوان استقامة قل نظيرها في تاريخ مقاومات الشعوب. وأما العراق الذي تستعدين لغزوه واحتلاله وكسر شوكته فإن ثمة من يذكرك بقصة عراقية معروفة منذ أيام ثورة العشرين قد تلخص قصتك الحالية مع عراق اليوم. ويقول لك: مهما سمعت من تهليل أو ترغيب للقدوم إلى أرض الرافدين، سواء من أجل تخليص أهلها من حكامها أو من أجل «استدعاء الديمقراطية للعالم العربي والإسلامي عبر بوابة العراق» كما يروّج وينظّر لك توماس فريدمان وأمثاله فإن عراق الأمس هو نفسه عراق اليوم: والقصة هي ان المبشرين المسيحيين الذين أرادوا اقتناص الفرصة للدعوة الى دينهم كانوا يصعدون منابر الخطابة ليشرحوا مباديء دينهم فكانت الناس تؤهل بهم وتصغي إليهم بانتباه ومن ثم تبدي تجاوباً مع بعض ما يرد على لسانهم من أقوال أو وعود أو شرح مباديء عامة وما أن يظن المتّسم بأنه قد كسب الرأي العام الحاضر تحت المنبر فينزل مودعاً ظناً منه بأنهم باتوا مسيحيين صلحاء حتى يسمع صرخة الحاضرين: «اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد» فيخيب ظنه فيعود من حيث أتى.. وجموع عراق اليوم سيخيبون ظنك يا أميركا ولن تجدي أحداً يحقق لك أحلامك الوردية في العراق كما يصور لك رواد حاناتك أو قصورك من عراقيي المهجر. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات