لحظة ميلاد عنف ! ـ بقلم: عادل حمودة

السبت 20 شعبان 1423 هـ الموافق 26 أكتوبر 2002 فنجان قهوة «اكسبرسو» خال من السكر والحليب.. وحلم بدخول الجنة.. وفتوى في مجلة إسلامية كويتية موقع عليها علماء من مصر والسعودية وقطر وفلسطين.. ووجدنا أنفسنا في لهيب الجحيم.. بكل تداعياته التي وصلنا اليها بعد هجمات سبتمبر وما جرى بعدها. كان بوجمعة في بلدته بلعباس.. غرب الجزائر العاصمة بنحو 450 كيلو مترا عندما قرأ الفتوى وهو يرتشف القهوة.. «الجهاد في أفغانستان فرض عين على المسلمين».. لكن ما لفت نظره أن على رأس الموقعين على الفتوى عبدالله عزام الذي يحفظ كلماته ويؤمن بتوجهاته ويعتنق آراءه.. وفي تلك اللحظة تمنى وهو يرفع رأسه الى السماء أن يموت في سبيل الله. كان ذلك في عام 1983. وهو العام الذي وصل فيه الصراع في أفغانستان الى ذروته بعد أن سيطر الشيوعيون عليها في عام 1979. وخرجت الحركة الاسلامية الأفغانية بزعامة غلام محمد نيازي (عميد كلية الشريعة في كابول) من البلاد الى مدينة بيشاور الباكستانية لتبدأ الجهاد المسلح ضد نظام حكم بابراك كارمل المدعم من السوفييت.. وظهرت على السطح أسماء مقاتلة شهيرة على رأسها قلب الدين حكمتيار وأحمد شاه مسعود.. لكن بو جمعة لم يكن يعرف شيئا عن ذلك حتى قرأ تلك الفتوى.. كان شابا لا يزيد عمره عن 25 سنة.. وكان يتصور أن الطريق الوحيد الى الجنة هو الاستشهاد.. على أنه لم يكن يعرف كيف يصل الى هذه المرتبة.. وعندما قرأ الفتوى وشرب القهوة عرف الطريق.. ومشى فيه الى آخره.. صحيح أنه لم يستشهد لكن صحيح أيضا أنه تزوج ابنة عبدالله عزام وأنجب منها اربعة أولاد وانتهى به المطاف لاجئا سياسيا في بريطانيا يعيش باسم الشهرة الذي ناله في أفغانستان وهو عبدالله أنس.. وعندما وقعت هجمات سبتمبر وانتهت الحرب في أفغانستان باحتلال عسكري أميركي لها نشر تجربته في كتاب صدر مؤخرا ويستحق القراءة والاهتمام.. عنوانه: «ولادة الأفغان العرب». في العام نفسه.. عام 1983 سافر بوجمعة الى مكة لاداء فريضة الحج.. وعند بئر زمزم وجد هناك عبدالله عزام.. قال له: إنه قرأ فتواه عن الجهاد في أفغانستان وأنه مقتنع بها لكنه لا يعرف كيف يصل الى أفغانستان؟.. أجابه عبدالله عزام: «الأمر بسيط.. هذا رقم تليفوني في إسلام أباد اتصل بي بعد الحج وسآخذك الى زعماء الأفغان في بيشاور».. ثم سأله: «هل تملك مصاريف السفر؟».. فقال له: «نعم وسأكون جاهزا بعد 15 يوما».. بالفعل سافر بوجمعة الى باكستان بتأشيرة دخول صالحة لمدة أسبوع واحد.. وفي كراتشي شعر بالغربة.. فهو لا يعرف لغة الناس فيها.. وهو جاهل باللغة الانجليزية التي يمكن التفاهم بها مع البعض.. بخلاف التناقض الحاد بين نوم المعدمين عرايا في الشوارع والقصور الفاخرة في الضواحي.. في سيارات المرسيدس الفارهة وعربات الكارو المتهالكة.. ومن كراتشي سافر الى إسلام أباد.. وهناك اتصل بعبدالله عزام الذي دعاه لتناول العشاء.. وبعدها رتب له سفره الى بيشاور.. وعلى متن الطائرة التي تستغرق رحلتها 20 دقيقة كان يجلس الى جوار عبدالله عزام شاب سعودي نحيف وقليل الكلام هو اسامة بن لادن. وعبدالله عزام هو الذي أسس حركة الأفغان العرب.. يحمل درجة الدكتوراه.. أنشأ ما عرف بمكتب الخدمات.. وهو مكتب كانت مهمته تسهيل سفر ومعيشة المتطوعين للقتال في أفغانستان.. وكان لهذا المكتب فرع في نيويورك.. تشرف عليه وكالة المخابرات المركزية.. فقد كانت تقوم بوضع برامج التدريب.. وتطبع نشرة الجهاد التي كان يحررها في غالبيتها عبدالله عزام.. الأب الروحي لأكثر الشباب المسلم الذي جاء من مختلف الدول العربية لينصهروا في تلك البوتقة القاسية، الساخنة، في أفغانستان.. وليصبح فيما بعد قنابل بشرية مفخخة وموقوتة تهدد بلادهم الأصلية بعد أن عادوا اليها.. وتهدد فيما بعد الذين ربوهم ودربوهم في الغرب الأميركي والأوروبي.. وقد وصل اعجاب أولئك الشباب بعبدالله عزام الى حد وصفه بأنه كان في وسامة يوسف الصديق.. وقوة عمر بن الخطاب.. وقدرة خالد بن الوليد على القتال.. لكنه قتل في عام 1989. وهو العام الذي خرج فيه السوفييت من أفغانستان.. وكان من حسن حظه أنه لم يعش ليرى الاحتلال الأميركي للبلاد التي ساهم في تحريرها من الروس. في بيشاور انضم بو جمعة الى مخيم بدر الذي يضم من سبقوه من الأفغان العرب وكان عددهم لا يزيد عن 14 شابا فقط.. وبدخوله أصبح العدد 15 شابا.. وفي تلك اللحظة أطلق عليه عبدالله عزام اسمه الجديد عبدالله أنس.. وتدرب على سلاح كلاشينكوف الروسي.. لكنه على حد قوله لم يكن تدريبا عسكريا محترفا.. على أنهم لم يحظوا بالتدريب المحترف إلا فيما بعد.. بعد أن جاءت الخبرة الأميركية... وكان جزء من هذه الخبرة كيفية تجنب الوقوع في الأسر.. وكيفية تعطيل المدرعات.. وطريقة عمل الكمائن.. ويكشف عبدالله أنس لأول مرة أن الفرنسيين سبقوا الأميركيين بنحو 4 سنوات في تدريب الأفغان على المقاومة.. وكانوا يتمركزون شمال أفغانستان.. في مزار شريف.. على حدود روسيا. كانت قوافل المقاتلين تأتي من داخل أفغانستان بالمئات دون سلاح.. وكانت الحكومة الباكستانية تتولى تسليحهم وتدريبهم بمساعدة خبراء أجانب ثم يتوزعون على سبعة أحزاب أكبرها اثنان: الحزب الاسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار والجمعية الاسلامية بزعامة برهان الدين رباني.. وبعد أن ينتهي التدريب داخل باكستان تبدأ رحلة العودة الى الداخل في قوافل.. كل قافلة تضم 200 الى 300 مقاتل.. وكانت القافلة التي ضمت عبدالله أنس متجهة الى مزار شريف وقد عين أميرا للعرب فيها.. وكان العرب فيها اثنان سوري هو أبوأسيد وكويتي هو ضياء الرحمن.. وكانت نصيحة عبدالله عزام لهم: أن يقفوا على الحياد في صراع الأحزاب الأفغانية المتصارعة حتى وهم يحاربون عدوا واحدا.. إن الصراعات القبلية والطائفية كانت أشد خطورة على الأفغان من القوى الخارجية القوية المتربصة بهم.. لقد أدت هذه الصراعات الى اغتيالات وتصفيات ومؤامرات وفتحت ثغرات لدخول الجيش الأميركي بعد خروج الجيش السوفييتي. كان من سوء حظ القافلة أن الشتاء كان على الأبواب.. والشتاء هناك قارس.. والثلوج تتساقط.. والبرد يخترق العظام.. لكن لم يكن من مفر من متابعة الرحلة.. فالعودة الى باكستان مستحيلة.. ولم يكن الطقس يمثل التحدي الوحيد.. كانت هناك تحديات طائفية.. فالقافلة تمر على مناطق شيعية لا تثق كثيرا في العرب الذين عادوا الثورة الخمينية.. والقافلة تمر عبر مناطق شديدة الفقر.. لا توفر في العشاء أكثر من الشاي والخبز.. وبعد 40 يوما وصلت القافلة الى حدود ولاية مزار شريف.. سقطت خلالها أظافر عبدالله أنس بسبب قسوة البرد.. لكن ما أن وصلت القافلة الى بر الأمان راح المقاتلون يطلقون النار وهم يكبرون.. وفي تلك اللحظة سمع الأفغان العرب بالقائد الأسطورة ذبيح الله.. لكن ذبيح الله كان قد تعرض لعملية اغتيال من قبل السوفييت بتفجير سيارته.. فسقطت الأسطورة قبل أن يروها. لم يبق عبدالله أنس طويلا في مزار شريف فالخلاف بين قادة الفصائل المقاتلة كان أكبر من أن يسع المحايدين.. فكان أن اعادوه الى بيشاور... وفي بيشاور قدم تقريرا لعبدالله عزام شرح فيه الحقيقة كاملة في الداخل.. وكان رأيه أن هناك حاجة ملحة للطعام والسلاح.. فالمجاعات والغارات تهدد المقاتلين بالفناء.. وتزيد من هروب المدنيين بعيدا.. وهو ما ضاعف من عدد اللاجئين في باكستان فوصل الى 3 ملايين لاجئ. كان رأي عبدالله عزام أن الوضع خطير ويجب عرضه على رابطة العالم الاسلامي في موسم الحج القادم وهو ما حدث.. لكن عبدالله أنس اكتشف أن اسامة بن لادن بدأ في الاستقلال بعيدا عن عبدالله عزام وأنه أسس بمفرده مكتب الأنصار ليكون منافسا لمكتب الخدمات.. وقد كان مكتب الخدمات أكثر ثراء وأكثر تنظيما.. وكان مكتب الأنصار نواة لتنظيم القاعدة الذي غير نشاطه وأهدافه بعد نهاية الحرب في أفغانستان.. وهكذا بدأ نجم عبدالله عزام في الأفول وبدأ نجم أسامة بن لادن في الظهور. في مبنى رابطة العالم الاسلامي في مكة شرح عبدالله عزام مأزق الجهاد في أفغانستان وطلب التبرع بالمال والشباب.. ولم تمر دقائق حتى انهالت الملايين على مكتب الخدمات.. ووافقت شركات الطيران على تخفيض قيمة تذاكر السفر الى باكستان بنسبة 75 بالمئة.. وما لم يقله عبدالله أنس أن جملة التبرعات الشخصية وصلت الى 3 مليارات دولار.. بينما وصلت مساعدات الدول البترولية الى ما يزيد على 10 مليارات قدمتها دول النفط العربية.. بينما تولت مصر مسألة توفير السلاح.. والدعاية السياسية للعملية.. أما الولايات المتحدة فقدمت الخبرة الفنية في التدريب والقتال.. وكان مثيرا للدهشة أن إحدى الصفقات السرية التي تولتها وكالة المخابرات المركزية كانت صفقة شراء ألف «حمار» مدرب لنقل الأسلحة والمؤن في جبال أفغانستان.. وكانت البلاد التي وردت الحمير هي مصر وقبرص وتركيا. كان المطلوب أيضا تدبير فرقة من الدعاة يصلحون ما بين الفصائل المتصارعة لا يقل عددهم عن مئة.. ولكن كانت المشكلة أن الدعاة عادة ما يقفون أمام الاختلافات الفقهية البسيطة ويعتبرونها نوعا من الكبائر لا يجوز التسامح فيها.. مثلا كان الأفغان يقولون كلمة «آمين» سرا.. لا جهرا.. وكان ذلك مثار جدل بين الفقهاء والدعاة كاد أن يعطل المهام العظمى.. تحرير البلاد.. لقد توقف البعض عند هذه القضية الشكلية واعتبروا الأفغان مبتدعين وخارجين عن السنة وكاد الأمر أن يصل الى حد تكفيرهم. عاد عبدالله أنس الى مزار شريف وهو يحمل 3 آلاف بطانية وكميات هائلة من الأغذية والأحذية.. بخلاف حمولة 20 بغلا من الأدوية.. وكان معه طبيب مصري يدعى عبدالظاهر وهو أول طبيب مصري يصل الى هناك ويشارك في علاج الأفغان.. لكنه لم يكن أول مصري يصل الى هناك.. فقد سبقه بسنوات مصري آخر يدعى تاج الدين.. كان عمره وقتها 54 سنة.. وكان حارسا شخصيا لمسعود شاه الذي بدأ الجهاد معه منذ الطلقة الأولى في عام 1979. وبسبب متانة العلاقة بينهما زوج تاج الدين ابنته الى شاه مسعود.. وكان تعليق عبدالله عزام على هذا النسب: «إن مسعود تتمناه كل فتاة في أفغانستان وزواجه من ابنة حارسه يدل على تواضعه الجم». لكن.. المصريين الأكثر شهرة كانوا زعماء الجهاد مثل أيمن الظواهري وأبوحفص المصري وأبوعبيدة البنشيري وأبودجانة المصري.. وقد ساهموا فيما بعد في تأسيس تنظيم القاعدة.. وكان شرط سفرهم الى شمال أفغانستان أن يتعهدوا بأن يبتعدوا عن رغبتهم القوية في ضم أعضاء من كافة الأقطار الى تنظيمهم.. وأن يضعوا أنفسهم تحت إمرة القائد الأفغاني.. وهكذا ارتفع عدد العرب في هذه القافلة الى 30 شخصا.. وكان هدفهم هو مقابلة مسعود شاه.. لكنهم لم يجدوا أنه يصلح لقيادتهم.. وكانت حجتهم أن لغته العربية ليست سليمة.. كما أن فهمه للفقه والشريعة دون المستوى.. إن قادة الجهاد المصريين نجحوا في السيطرة على بعض الفصائل الأفغانية بسبب براعتهم في التأويل والتدليل.. وهو ما جعلهم ينحازون في النهاية الى اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة فقد كان أسامة بن لادن بالنسبة لهم يمثل القدرة على التنظيم أما هم فكانوا يمثلون بالنسبة له القدرة على التفسير. وقد دخل العرب الأفغان طرفا في الوقيعة والدسيسة بين فصائل الأفغان.. لقد استدعى عبدالله عزام زوج ابنته عبدالله أنس وقال له: إن هناك تقريرا موقعا من 20 عربيا ممن كانوا معك في الرحلة الى شاه مسعود.. ومفاد التقرير: «إن شاه مسعود عميل.. يفتح بيوتا مجهزة بحمامات سباحة للفرنسيات (من بعثات الاغاثة) كي يسبحن فيه وأنه يقتل العرب وهو عدو الجهاد في أفغانستان وأنه فتح سجنا يضع فيه العرب والحمير جنبا الى جنب».. وكانت هناك اتهامات أخلاقية أشد وأصعب.. ورغم أن عبدالله أنس قد نفى ذلك تماما إلا أن الطلقة قد أصابت واهتزت صورة الرجل في عين العالم كله.. لكن.. الدسائس التي زرعت بين الفصائل الأفغانية تضاعفت بعد التحرر من السوفييت. في 14 فبراير عام 1989 أكمل الجيش السوفييتي الأحمر انسحابه من البلاد بعدما غرق في رمالها المتحركة وجبالها الشاهقة طوال عشر سنوات.. وهي التجربة المرة التي عاشها من قبل البريطانيون.. وإن لم يقرأها بدقة الأميركيون.. وقد بدأ القتال هناك بالحجارة.. ثم تدخلت القوى العظمى لتهزم السوفييت على أرض معركة بعيدة وغير متوقعة.. وقد كان.. إن حلقة الوصل بين كافة الدول والأجهزة والتنظيمات التي لعبت أدوارا حيوية في أفغانستان كانت المخابرات الباكستانية (آي أس أي) التي كانت تتعامل مباشرة مع الفصائل الأفغانية المختلفة.. كما أنها هي التي فتحت المدارس الدينية التي أسست فيما بعد حركة طالبان.. كذلك فإنها هي التي وضعت كل سبل الراحة والتفاهم والثقة أمام أسامة بن لادن. وبينما تؤكد التقارير الرسمية الأميركية أن عدد المسلمين غير الأفغان الذين تدربوا على القتال في هذه الحرب العقائدية لا يقل عن 30 ألف شاب فإن عبدالله أنس يصر على أن عددهم لا يزيد على ألفي شاب.. ويقول بالحرف الواحد: «إنهم كانوا قطرة في بحر».. بل إنه يقول ان أغلبهم لم يقاتل وإنما كانوا يقدمون خدماتهم الفنية.. كأطباء وسائقين وطباخين ومحاسبين ومهندسين.. ولو كان ذلك صحيحا فكيف عاد عشرات المئات من الشباب الى بلادهم وهم يحملون كل الخبرات القتالية التي استخدموها في التفجير والتدمير والتخريب ومحاولات قلب أنظمة الحكم؟.. هل كان عبدالله أنس بعيدا في بيشاور لا يرى كل الصورة؟.. هل كانت هناك معسكرات تدريب لها أهداف أخرى غير تحرير أفغانستان؟ إن التجربة التي يرويها عبدالله أنس تجربة مثيرة تستحق التأمل والدراسة لنعرف ما الذي جرى.. قبل أن نعرف ما الذي يجري؟.. وما الذي سيجري؟ ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات