إلى اللقاء ـ فراريش ـ بقلم: حسين درويش

السبت 20 شعبان 1423 هـ الموافق 26 أكتوبر 2002 قرأت خبراً منذ عدة أيام في صحيفة محلية عن فراش استقال من عمله في إحدى الوزارات فأحدث إرباكاً، وترك فراغاً لأنه كان يجيد عدة لغات من بينها الأوردو التي يستخدمها معظم الآسيويين المقيمين في الدولة، فكان هذا الفراش هو صلة الوصل بين هؤلاء الآسيويين وبين جهات مراجعهم الرسمية حينما يحتاجون إليها. كيف يمكن لتلك الاستقالة ان تترك أثراً كهذا في وقت تتقارب فيه الثقافات وتتمازج اللغات ويصبح العالم وكأنه دكانة صغيرة، ولكن فيها كل ما تريد!؟ فحتى نستطيع الاستفادة من هذا الدرس علينا أن نعرب الفراش أولاً، فهو يعني في اللغة العربية «المستخدم» ولدى المصريين يعني «الساعي» ولدى الشوام يعني «الآذن» ولدى المتعولمين يعني «أوفيس بوي» وجمع فراش في اللغة الدارجة فراريش على وزن مفاعيل ومهمته حمل الأوراق من مكتب لآخر وجلب القهوة والشاي للموظفين (قبل اختراع ماكينة الدرهم التي تعرفونها) ويمكنه إسداء خدمات جانبية كحمل حقيبة أحد الموظفين إلى سيارته أو إحضار الطعام حينما تولم إحدى الموظفات لصديقاتها بمناسبة زواج ابن خالة أمها، أو عودة جارتهم المحبوبة من السفر! وعلى ذكر الجيران يمكن للفراش ان يُسدي خدماته لمكاتب مجاورة خاصة إذا كان عدد الموظفين كبيراً وجمعيهم ميالون للجلوس على مقاعدهم فتراهم يبحّون أصواتهم دونما حس أو أنس لشفيق أو لمصطفى أو لناصر.. مثلاً لأنهم في الجهة الأخرى يتبرعون بالمساعدة.. والأصح انهم يزوغون عن النظر طلباً للراحة. والفراش مفصل مهم من مفاصل العمل لأنه يعرف كيف يضبط ايقاع الخدمات ويعرف أسرار المكان ومطلّع على الأمور الكبيرة والصغيرة، فهو كتوم إلا إذا استنطق، عندها تفوح رائحة الإشاعات وتروج الأقاويل وينسى الناس أمر الفراش ويتذكرون الاضافات التي يمكن ان تجمّل الخبر وتشوقه. وعندما يكون الفراش موظفاً حكومياً يعني انه في مقام الموظف الحكومي وله امتيازاته وبدلاته بحيث انه يحضر في الثامنة ويزوغ حوالي الثانية عشرة ظهراً ثم يظهر في الواحدة دون ابداء الاسباب ويغادر عمله في الثالثة متأبطاً عدة صحف عربية أو أجنبية وبينها مطبوعات الأسبوع التي لا ينفك عن قراءتها منذ وصوله حتى دخوله الى سيارته (نعم لديه سيارة) فيضرب مارش ثم يضع التلفون النقال على أذنه والسيجارة في فمه ويعطيها بترول.. حقاً إنه فراش فوق العادة. وإذا كان يجري الاعتقاد ان الفراش موظف صغير، فذلك الخطأ بعينه لأن الفراش انسان ذكي ومبدع في مهنته ويستطيع ان يفرز الموظفين طبقياً ويعاملهم حسب مستواهم الاجتماعي وبذلك ينال الرضا وغيره.. وعموماً يميل الفراش الى الاكثار من الخدمات للموظفات لأن المرأة بطبعها حنونة وعطوفة وهذا ما يريده بالضبط عطف وحنان ورضا.. لذلك تراه يغطس أكثر من ساعة في عمل ليس من اختصاصه لأن موظفة حنون عطوف أوكلت إليه عملاً خارج محيطه، فأداه بأمانة وإخلاص. لذلك تعتبر استقالة الفراش أو غيابه، أو مرضه مشكلة والبديل مشكلة أكبر لأنه ليس سهلاً أن تجد فراشاً ذكياً يضبط إيقاع العمل والخدمات كما كان يفعل الفراش المستقيل وبذلك يصح القول «يضع سره في أضعف خلقه». mail:H.S.D@maktoob.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات