الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 هل نضب التيار الاشتراكي في عالم اليوم بسبب انهيار اكبر قوة اشتراكية في التاريخ ـ الاتحاد السوفييتي؟ ربما تكون هناك اجابة مبسطة جاهزة وهي أن زوال الاتحاد السوفييتي أفسح المجال لبروز قوة اشتراكية هي الصين. لكن القضية اكبر وأوسع من ذلك. ان الخلاف حول طبيعة الفكر الاشتراكي ونماذجه التطبيقية سوف يبقى بقاء الجنس البشري على الارض.. فالمذهب الماركسي اللينيني ليس الاوحد من نوعه.. فهناك «الاشتراكية الديمقراطية» و«الاشتراكية الاسلامية» وغيرهما. لكن القاعدة الاساسية الانطلاقية للفكر الاشتراكي ـ بالمقارنة والمقابلة مع الرأسمالية ـ لن تتغير.. وهي ملكية وسائل الانتاج بواسطة الدولة. والآن، وعلى اثر انهيار المعسكر السوفييتي الاشتراكي شهدنا مولد نظريتين فلسفيتين: «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات» وكلتاهما عبارة عن مرافعة تطعن في جوهر الفكر الاشتراكي. في «نهاية التاريخ» يطرح فوكوياما (وهو اميركي من اصل ياباني) نفسه كمبشر «يزف» إلينا أن ما نشهده حاليا من سيطرة شاملة للنظام الرأسمالي في شكله المعولم هو آخر حلقة من حلقات السعي الفلسفي البشري لتقرير المصير النهائي للبشرية. وكأن فوكوياما يلتقط الخيط مما انتهى اليه كارل ماركس. «نهاية» التاريخ لدى ماركس هي «دولة الطبقة العاملة» التي تتبلور كمحطة وصول من خلال صراع طبقي طويل عبر مراحل من تجارب الصراع البشري تبدأ بمرحلة العبودية ومن ثم تنتقل الى مرحلة الاقطاع ثم المرحلة البرجوازية فمرحلة المجتمع الصناعي الرأسمالي المتقدم الذي تقضي عليه الطبقة العاملة في معارك فاصلة لاقامة الدولة الاشتراكية الكاملة.. فتكون البشرية قد بلغت بذلك منتهى مسيرة الصراع الطبقي وحسمه للأبد لصالح طبقة العاملين. وما يؤخذ على نظرية فوكوياما هو انه اعتبر ان نهاية الاتحاد السوفييتي هي نهاية الفكر الاشتراكي. ففشل تجربة ما لا يعني بالضرورة فشل المذهب الفكري الذي قامت عليه.. ذلك ان هذا الفشل لا يجب ان يكون محسوبا على كارل ماركس وطرحه بقدر ما يكون محسوبا على ميخائيل غورباتشوف والمؤامرة اليهودية التاريخية التي تقف وراء تدبير عملية نسف الاتحاد السوفييتي. في نظرية «صدام الحضارات» يتخذ هنتنجتون منحى فلسفياً مختلفاً تماماً، فهو لا يتحدث عن صراع طبقي وانما عن صراع حضاري ثقافي، ويقول هذا الفيلسوف الاميركي المعاصر ان القرن العشرين اذ تميز بصراع ايديولوجيات فان ما سوف يميز القرن الحادي والعشرين هو صراع ثقافات. وبما ان العقيدة الدينية تعتبر المكون الجوهري لأي ثقافة بشرية، يقول هنتنجتون، فإن الصراع العالمي المرتقب سوف يتخذ طابعاً دينياً ـ تحديداً بين تحالف مسيحي ـ يهودي على صعيد الغرب ومد اسلامي على صعيد العالم الثالث. اما الفارق بين فوكوياما وهنتنجتون هو انه بينما يطرح الثاني فكراً اكاديمياً محترما بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف معه فإن الاول يطرح ما هو اقرب الى الدعاية الغوغائية.. وكأنه المتحدث الرسمي باسم الرأسمالية العالمية. ولنعد من خلال ذلك الى السؤال المطروح: هل انهيار المعسكر الاشتراكي السوفييتي يعني نهاية التيار الاشتراكي في عالم اليوم وبالتالي طغيان الرأسمالية على العالم بأسره؟ بادئ ذي بدء يجب ان نقول ان الاشتراكية مذهب فكري بينما الرأسمالية نظام اقتصادي، فالرأسمالية هي منهج البحث عن الربح وتعظيمه بأي ثمن وأي وسيلة.. هي اذن النهج الذي يخاطب الانانية وما يصحبها من أحط الغزائر البشرية الاخرى.. ومن بينها الاستحواذ غير المشروع. لذا سوف تبقى هناك على الدوام ما بقي الانسان على وجه البسيطة دعوة تصدر من هنا أو هناك تصدع بالمثاليات كاشاعة العدالة الاجتماعية والمساواة ومحاربة الجشع والاستغلال. مثل هذه الدعوة سمها ما شئت. وان شئت ان تطلق عليها مسمى «النزعة الاشتراكية» فليكن. وتأسيسا على ذلك فان التمدد الرأسمالي مهما توسع وحتى لو انتظم العالم بأسره لن يكون نهاية التاريخ. وقد تتخذ الاشتراكية اسماء مختلفة على مدى الصراع البشري الأزلي الى أن يرث الله الارض ومن عليها لكن من المستحيل ان تفنى.