«قانون القدس الأميركي» وسيطرة اللوبي الصهيوني ـ بقلم: محمد أحمد يوسف

الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 في عام 1788 قال الرئيس الاميركي جورج واشنطن: «ان اليهود يعملون ضدنا بشكل اكثر مما تفعله جيوش العدو، فهم اخطر منه مئة مرة على حريتنا وقضايانا، وإنه لمن المحزن جدا ان كل ولاية لم تعمد منذ امد بعيد الى ملاحقتهم باعتبارهم آفة على المجتمع». ورغم ان ثائرة اليهود فارت فورتها على جورج واشنطن بدعم من المسيحية البروتستانتية، الا ان هذا لم يمنع فرانكلين من وصف اليهود في الولايات المتحدة بأنهم خطر يجب التخلص منه. وإذا كانت العودة التاريخية تعطي الكثير من الحقائق المستقبلية، فإن الواقع السياسي اليوم الذي لا ينفصل اطلاقا عن شعور واشنطن وفرانكلين بات يعشش في أروقة البيت الابيض بعد ان عاث في الكونغرس، ما دعا الكثيرين من الكتاب في الولايات المتحدة للقول: «ان اللوبي الاسرائيلي يشوه السياسة الخارجية الاميركية»، خاصة ان اهم مواقعه اصبحت في الكونغرس الاميركي الذي اتخذ مؤخرا قراره باعتبار القدس عاصمة لاسرائيل وبمصادقة الرئيس جورج بوش، دون اي اعتبار ليس للشعور العربي والاسلامي والمسيحي في العالم بل حتى دون اي تفكير بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، بل لعل الهم الاكبر بات التفكير المبكر ليس في انتخابات الكونغرس وحدها بل في ولاية ثانية للرئيس بوش. مبكرا نحوها قد يكون الحديث مبكرا عن انتخابات الرئاسة الاميركية عام 2004، ولكن ضمن كل الحسابات التي دعت الرئيس الاميركي للتوقيع على قانون الكونغرس اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل تدخل سريعا مسألة الانتخابات الرئاسية حتى قبل الانتخابات النصفية القريبة للكونغرس. فهذا القانون الذي رفضه رؤساء الولايات المتحدة سابقا جاء بوش وبعد تجربتهم في ادارة هذا الموضوع للموافقة عليه، رغم انه ابدى بعد ذلك الكثير من التحفظات اللامنطقية في بيانه الذي اعقب القرار قائلا فيه: «ان البند المتعلق بالقدس في تشريع موازنة وزارة الخارجية لعام 2003 ليس ملزما لرئيس الدولة واجبار الرئيس على تنفيذ ما جاء في هذا البند امر يتعارض مع الصلاحيات الدستورية لرئيس الدولة». ولكن ما الذي اجبر بوش على التوقيع على هذا القانون ومن ثم التوضيحات التي ليس لها اول من أخر؟ خاصة ان بوش قد اتهم بأنه (المصرح الموضح) وهذا ما حصل كثيرا في مواقفه وخطباته منذ ان اعلن ان حرب الولايات المتحدة هي حرب صليبية الى اعلان البنتاغون بأن السعودية دولة عدوة وبالتأكيد عادت الادارة الاميركية للتوضيح وليس للاعتذار كما تطالب العالم عادة. ونقول هناك بوش لم يتسرع مطلقا في التوقيع القانون فقد درسه مع مستشاريه المخضرمين قبل تسلمه ادارة البيت الابيض وبعد فوزه بالانتخابات الفضفاضة التي كانت ضيقة عليه نظرا لنسبة فوزه الضئيلة على المرشح الديمقراطي ال غور. والواضح ان هذه التوضيحات تأتي فقط لذر الرماد في العيون مع اهداف تخديرية للعرب والمسلمين بعيدة المدى جاءت منه ومن المتحدث باسم الخارجية الاميركية ريتشارد بوتشر حين قال: «ان واشنطن ما زالت تعتقد ان وضع القدس يجب ان يتحدد من خلال مفاوضات الوضع النهائي بين اسرائيل والفلسطينيين، ولكن اعتقاد باوتشر مبني عمليا كما هو اعتقاد بوش على تناقضات دستورية يوضحها البند الثالث من هذا القانون الذي يقول: «من حق الرعايا الاميركيين المولودين في القدس ان يصروا على ان يذكر في وثائقهم الرسمية كشهادة الميلاد وجوازات السفر ان مكان ولادتهم هو في اسرائيل»، مما يعني اعترافا حقيقيا بأن القدس عاصمة للدولة العبرية. وعلى هذا الاساس تبدو السخرية كبيرة جدا ويبدو ان الولايات المتحدة باتت تشعر ان العرب والمسلمين يعيشون بزمن مختلف بحيث لا يفهمون القانون الاميركي الجديد؟ ومرة اخرى يمرر اللوبي الصهيوني قانونا جديدا ضد العرب والمسلمين من موقعه في الكونغرس الاميركي ومن حارسه الرئيس بوش، ولكن ما حدود هذا القانون في السياسة الاميركية سواء عبر ماضيها او مستقبلها؟ الواقع ان الرئيس الاميركي الذي وقع القانون الجديد يحاول ان يعمل على خطين متوازيين لكنهما، مخالفان للقاعدة الرياضية، متقاطعان في الوقت ذاته فلا يزال بوش يطمح بتمرير القانون الاكثر صرامة فيما يتعلق بضرب العراق، وعلى الجبهتين تتقاطع الخطوط في المصلحة الصهيونية وارضاء اللوبي الاسرائيلي الذي استطاع ان يفشل احلام بوش الاب في ولاية ثانية، ورغم كل ما قدمه لاسرائيل ورغم انتصاره (العتيد) في حرب الخليج الثانية كما وصف هذا الانتصار انذاك اللوبي الصهيوني، ما حصل باختصار شديد اثناء ولاية بوش الاب انه هدد بتأجيل المساعدات والقروض الممنوحة لاسرائيل اذا لم توقف مشاريع الاستيطان في الاراضي المحتلة عام 1967، وربط تلك المساعدات والقروض بموافقة الحكومة الاسرائيلية على سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، والنتيجة خسارته للفترة الرئاسية الثانية. بوش في خطر؟!! ما صورة الانتخابات الان وهل هناك مهدد رئيسي كي يوقع بوش على هذا القرار؟ في الواقع قد نستغرب ان المهدد الرئيسي لبوش الان هو هيلاري كلينتون وما تقوم به في سبيل الوصول الى رئاسة الولايات المتحدة، بعد ان وصلت الى مجلس الشيوخ والنواب!! وضمن اعتبار ان اهم دعاية انتخابية في الولايات المتحدة باتت تتركز حول الدعم اللامحدود لاسرائيل، فالسباق بدا من الان ولعلنا نقرأ في تحركات هيلاري عضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك، فرغم انها كانت تصرح تصريحات تغضب اسرائيل احيانا قبل ان تدخل المعترك السياسي لكنها انقلبت رأسا على عقب منذ أن خاضت المعترك الانتخابي الصعب في ولاية نيويورك، ولم يكن فوزها الا بعد ان قدمت تعهداتها بانها ستبذل قصارى جهدها داخل الكونغرس لتوحيد القدس كعاصمة ابدية للدولة العبرية، وبالتأكيد نقل السفارة الاميركية اليها، وهذا ما صرحت به في اجتماعها مع المجموعات اليهودية في نيويورك الذي ضم (750) مجموعة واكدت على تعهداتها تلك في احتفال منظمة «هداسا النسائية اليهودية» وزادت: «ان القدس وحدتها اسرائيل عام 1967. ونتذكر انه في فبراير من هذا العام قامت بزيارة تضامنية كضيفة شرف لمؤتمر «الرؤساء الذي يضم المنظمات اليهودية الاميركية، وخلال هذه الزيارة صرحت بكيل من الاتهامات للفلسطينيين وسلطتهم وقالت: «ان ياسر عرفات يستغل الاطفال لارضاء مصالحه الذاتية ويشجعهم على السير باتجاه القدس مطلقين اناشيد «الانتحار»، بدل ان يقبلوا اسرائيل، ولم تنطق بأي حرف عن مجازر شارون التي يرتكبها بحق اطفال فلسطين. وكل هذا الاهتمام باسرائيل بات هدفه الان ينحصر بالتحضير للانتخابات سوا انتخابات الكونغرس او الاهم منها بالنسبة لهيلاري بوش ايضا. وهي الانتخابات الرئاسية للفترة 2004 ـ 2008، ولكن هل حقيقة ان الولايات المتحدة وزعامتها السياسة تخشى الى هذه الدرجة من اللوبي الصهيوني وتحسب له ألف حساب؟ اذا نظرنا الى الواقع فان نسبة الناخبين في المجتمع الاميركي من اليهود لا تتجاوز (2%) وهذه النسبة تتركز في المدن الكبرى وتشكل في نيويورك على سبيل المثال 12% وهي الدائرة المهمة بالنسبة لهيلاري وغيرها، ولكن كيف تتعامل الايدي الصهيونية مع هذا الواقع؟ حقيقة الامر ان نسبة الناخبين اليهود تشكل عمليا 25% لان 90% منهم مسيسون وينتمون الى منظمات يهودية او اميركية مؤيدة لليهود، بينما تضعف هذه النسبة في المجتمع الاميركي وهذا لا ينطبق على نيويورك وحدها بل على الولايات كاملة. اضافة الى ذلك فاللوبي الصهيوني يدعم المرشحين الذين يتماشون مع توجهاته ويقف ضد الطرف الآخر خاصة ان المنظمات الصهيونية تقوم بدعاية انتخابية من خلال جمع التبرعات التي هي في الواقع مساعدات او لنقل رشوة غير مباشرة من خلال اذرعها الاقتصادية التي تسيطر على الولايات المتحدة ومن الطرف الآخر فإن اهم اجهزة اللوبي الاسرائيلية تحارب بأموالها واسنانها كل من تتعارض معه سياسيا ونذكر مثلا ان اللجنة الاميركية الاسرائيلية للشئون العامة (ايباك) مهمتها الكبيرة الموكلة لها هي الهجوم الاعلامي على الشخصيات التي لا تتوافق مع توجهات اسرائيل. اضافة الى ان اللوبي الصهيوني يستغل اليمين المسيحي المتطرف المتمثل بالبروتستانت ويشجعه على تطرفه عبر (مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الاميركية) الذي يجند البروتستانت، خاصة في مجالات الرؤية اللاهوتية المشتركة بينهما والتي تتمثل بالحق اليهودي في فلسطين وعودة المسيح المنتظر والنظرة الى الاغيار على أنهم اعداء اليهودية والمسيحية وبناء الهيكل في القدس مع اعتباره العاصمة الموحدة لاسرائيل، وهذا الاتجاه المسيحي كان يشكل حوالي 40 مليون ناخب اميركي وقد تزايد بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر نتيجة الهجمة الاعلامية الشرسة التي تبناها بشكل خاص اللوبي الصهيوني ومؤسساته الفاعلة في الولايات المتحدة على العرب والمسلمين. ان بوش بالتأكيد قد وقع قانون اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل مع ادراكه التام للأبعاد التي يمكن ان تنشأ بعد هذا ومع علمه التام ان القانون يشكل انتهاكا للشرعية الدولية، بل الأبعد من ذلك انه يطبق عمليا ما كان قد اعتذر عنه حينما اعلن ان حرب الولايات المتحدة هي حرب صليبية وهو مع ذلك يحيط نفسه ورئاسته باللوبي الصهيوني ومتطرفي اليمين. ويبدو ان الخطر في تعاظم ومجمل هذا الخطر موجه بشكل مباشر للعرب والمسلمين في ارجاء المعمورة، وعلى هذا الاساس تسير ادارة البيت الابيض نحو توجهين، الأول حماية مصالحها الشخصية خاصة انها تقدم كل تنازلاتها الى اللوبي خدمة للمعركة الانتخابية التي ما زالت مبكرة كما نفهمها نحن العرب، والثاني ضرب الحراب في صدر الوطن العربي لكي يرضخ رضوخا تاما لمنهجية العولمة الاميركية القادمة بعد ان يكون بوش قد فرض على العرب والمسلمين رؤيته التي باتت لا تقيم اي حسابات لمصالحهم، خاصة ان هذه المصالح ورغم كل ما تفعله الادارة الاميركية وتمارسه اسرائيل لاتزال مرهونة بالتحرك العربي الفاعل الذي مازال بدوره يعاني من مشاكل كبيرة اولها عدم الاكتراث بما تقوم به الولايات المتحدة واسرائيل وهذا النوم العميق بالطبع سيؤدي الى كوارث لاحقة ليس اولها الاعتراف بالقدس الاسلامية كعاصمة للكيان الصهيوني، بل ان القادم لا يقل خطرا عن هذا الخطر الكبير ففلسطين تعيش الآن اصعب مراحلها التاريخية. ولا نغالي ان قلنا ان هذه المرحلة تعتبر اشد كارثية من مرحلة النكبة التي اتصفت كحد ادنى بمشروعية المقاومة بينما تعد الولايات المتحدة ومعها اللوبي الصهيوني مشروعا جديدا يلغي اية اتفاقيات وقعت بين العرب واسرائيل، وهذه الخطة ستطرح على الكونغرس للتصويت في القريب العاجل وتتضمن رفض تحويل اية اموال تدعم اقامة دولة فلسطينية اذا لم تقدم الخارجية الاميركية للكونغرس ضمانات حول قيام قيادة حكومة جديدة للفلسطينيين منتخبة بطريقة ديمقراطية ولكن شرط الديمقراطية في مشروع الكونغرس الجديد مرهون بالالتزام الراسخ بالتعايش السلمي مع اسرائيل والقيام بخطوات لما يسميه الكونغرس بمكافحة الارهاب ومنع تمويله بالضفة وغزة وتفكيك المنظمات الفلسطينية وفصائلها المسلحة وتأسيس جهاز امني فلسطيني متعاون بصورة كاملة مع الامن الاسرائيلي ومع اجهزة الامن الاخرى ذات الصلة. والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن ان ينتخب الشعب الفلسطيني قيادة ترضى بكل هذا بعد مشوار التضحيات الذي مازال مستمرا منذ اكثر من خمسين عاما؟ في الواقع ان قانون القدس يعتبر بالون اختبار للموقف العربي الشعبي والرسمي ولتمرير القانون الثاني الذي سيحرم الفلسطينيين من أية دولة بل لعل الدولة الموعودة في الاجندة الاميركية ستكون قبل تبعيتها المطلقة للكيان الصهيوني مقتصرة على جزء من قطاع غزة، وهذا ما تسعى اليه اسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة والأمر في حقيقته اذا استمر على هذا المنوال لن يقتصر على القدس او على فلسطين وحدها، فها هي الحرب الاميركية تقرع طبولها متوجهة للعراق وسوف تقرع بأذن كل عربي سواء اكان في الشارع ام على هرم السلطة. ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات