خواطر ـ حسْب وحسَب ـ بقلم: عبدالوهاب قتاية

الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 هاتان الكلمتان متشابهتان في المبنى، أي في حروفهما، مع اختلاف في ضبط السين، لكنهما مختلفتان في المعنى، وقد أثارتا اهتمام اللغويين المحدثين الذين لم يرض بعضهم عن استعمال بعض المتحدثين، حيث يخلطون ولا يفرقون بينهما. فأما كلمة «حسْب» (بتسكين السين) فلها معنيان، ولا خلاف بين اللغويين فيهما، إذ يجمعون على أن «حسْب» اسم مفرد لا يثنى ولا يجمع، بمعنى «كاف»، وتعرب إعراب الأسماء، فتكون مثلاً مبتدأ، كما في الآية الكريمة: «وقالوا حسْبنا الله ونعم الوكيل»، وتكون خبراً، كما في الآية الكريمة: «ومن يتوكل على الله فهو حسْبه».. وهكذا. وقد تعرب «اسم فعل»، فيكون قولنا: حسْبك هذا، معناه: يكفيك هذا، أو اكتف بهذا. لكن الأسلم هنا أن يكون معنى «حسْبك هذا» هو: كافيك هذا، باعتبار «حسْب» اسماً بمعنى «كاف». والشواهد والأمثلة على ذلك لا تحصى، فمنها في القرآن الكريم: «ومن يتوكل على الله فهو حسْبه» و«قل حسْبي الله عليه يتوكل المتوكلون». وفي الحديث الشريف: «حسْب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه». وفي الأمثال العربية: «حسْبك من شر سماعه». وفي الشعر يقول المتنبي: كفى بك داء أن ترى الموت شافياً وحسْب المنايا أن يكن أمانيا ويقول الإمام الشافعي في فضل العلم: تعلّم يا فتى والعود رطب وطينك لين والعمر قابل وحسْبك يا فتى شرفاً وفخراً سكوت الحاضرين وأنت قائل ويقول البستي في نونيته الشهيرة: حسْب الفتى عقله خلا يعاشره إذا تحاماه اخوان وخلان ومن شعر العاطفة في الفراق، يقول البهاء زهير: رويدك قد أفنيت يا بين أدمعي وحسْبك قد أضنيت يا شوق أضلعي ومثل ذلك وقبله قال النابغة: حسْب الخليلين نأي الأرض بينهما هذا عليها وهذا تحتها بالِ وفي الشعر الحديث يقول إيليا أبوماضي: حسْب المسيء شعوره ومقاله في سره: يا ليتني لم أذنب والمعنى الآخر لكلمة «حسْب»، هو: «لا غير»، وتكون مفردة مقطوعة عن الإضافة، مبنية على الضم، كما في قولنا: قرأت نصف الكتاب فحسْب، أو وحسب أو حسب (بدون الفاء أو الواو)، كما أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة. أما كلمة حسَب (بفتح السين)، فهي أيضاً لها معنيان: الأول: ما يعده المرء من مناقبه وشرف آبائه، كما في قول الشاعر: حسن الفتى أن يكون ذا حسَب من نفسه، ليس حسنه حسَبه وقول شاعر ثانٍ في المعنى نفسه: فليس يسود المرء إلا بنفسه وإن عد آباء كراماً ذوي حسَب وقول ثالث: وما الحسَب الموروث لا در دره بمحتسب إلا بآخر مكتسب وقول رابع: ما للفتى حسب إلا إذا كملت أخلاقه وحوى الآداب والحسبا أما المعنى الآخر لكلمة «حسَب» (بفتح السين)، فهو «القَدْر والعدد»، كما في قولنا: الجزاء بحسَب العمل، أو على حسَب العمل، أو حسَب العمل، أو الجزاء حسَب ما تعمل. ومعنى ذلك كله: بقدر العمل، أو على قدر العمل، أو قدر العمل، أو قدر ما تعمل. وفتح السين هنا هو اللغة الأعلى، كما يقول اللغويون، ولكنهم يجيزون تسكين السين للضرورة الشعرية، ويجيزها قليل جداً من اللغويين مطلقاً، وهو ما نأخذ شيوعه على ألسنة بعض المتحدثين، ورأينا ان الأسلم هو التزام فتح السين، إلا لضرورة وزن الشعر، وذلك التزاما باللغة الأعلى، وتفريقاً بينها وبين «حسْب» ساكنة السين بمعنى «كاف».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات