إلى اللقاء ـ الوجه الآخر للقناص ـ بقلم: أحمد الكناني

الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 الاميركيون في حالة رعب بسبب القناص، فحتى الآن أسقط 13 قتيلاً، وكل يوم هناك الجديد والمثير عن هذا القاتل المحترف. الرعب الذي يعيشه الاميركيون وخصوصاً في واشنطن يشبه إلى حد كبير ـ في عنفه ـ الرعب المصنع في استديوهات هوليوود، فقد انتقل من الشوارع إلى مراكز التسوق والبيوت، بل ان المدارس وضعت خططاً للطوارئ تعلم التلاميذ كيفية التصرف إذا ظهر القناص، وكيف يتصرفون إذا اقتحم المدرسة. وأمام هذا الرعب بات كل اميركي يسكن العاصمة واشنطن يعيش هاجس ان القناص يستهدفه شخصياً، وما يزيد من حدة هذه المشاعر ما تنشره وسائل الاعلام الاميركية، وبعض مما ينشر منسوب إلى مصادر رسمية كالشرطة، فتصريحات المسئولين فيها تخلع قلوب الاميركيين كل يوم وهي تحذر من خطورة هذا القناص، ومن ذلك ما قاله قائد شرطة مونتجمري كاونتي ويدعى تشارلز موسى، ففي تصريح له نشرته يوم الأربعاء الماضي «الواشنطن بوست» حذر الآباء والأمهات بقوله: «لا شيء هنا آمن حتى أطفالكم فهم غير آمنين في أي وقت وفي أي مكان». هذا الهلع اليومي أدى بالطبع إلى تراجع كثير من الامور التي كانت متقدمة على أجندة الاعلام الاميركي خلال الفترة الماضية، من ثم تراجعها أيضاً على أجندة اهتمامات المواطن الاميركي، فقد صار البحث عن الأمن الشخصي هو الهاجس الأول. وكان الموضوع العراقي من بين الموضوعات التي تراجعت ولم يعد يشغل بال المواطن الاميركي وتوقف الاميركيون ـ ولو مؤقتا ـ عن التساؤل لماذا نرسل أولادنا يموتون على بعد آلاف الأميال من الوطن؟ ومن الطبيعي ان يختفي هذا السؤال إذا كان الموت ينطلق إليهم في وطنهم من بندقية القناص كما لم يعد الاعلام الاميركي يطالب ادارة بوش بأن تكون الأولوية لمشكلة الاقتصاد وليس العراق، لأن الجميع يتسابق في اقتناص أخبار القناص والمصدر الأول والأهم لهذه الأخبار هو الشرطة. وبينما هذا هو حال الشارع والاعلام الاميركي فإن الادارة الاميركية ظلت مركزة توجه نظرها نحو العراق، ومضت في استراتيجيتها دون أي مضايقات داخلية فالكل مشغولون بأمر القناص، واستمرت ادارة بوش في تجهيز الارض عسكرياً للعدوان على العراق، بارسال المزيد من حاملات الطائرات والقوات وتكثيف زيارات المسئولين العسكريين إلى المنطقة، واجراء المناورات العسكرية في اكثر من دولة قريبة من مسرح العدوان المرتقب، كما استمرت تهديدات الرئيس بوش وأركان ادارته ضد بغداد وتجاه مجلس الأمن بما يفيد العزم على تشكيل تحالف للعدوان على العراق إذا لم يستجب المجلس للمطالب الاميركية. وإذا طبقنا قاعدة «ابحث عن المستفيد» من ظهور القناص فإن المستفيد الأول هنا هي ادارة الرئيس بوش، فكل أصوات المعارضة لسياساته الخارجية داخل بلاده قد أخرست وانشغل الجميع بقضية القناص. وليس من المستبعد ان يكون هذا القناص قد تم اعداده واطلاقه من داخل دهاليز الاجهزة أو المنظمات الاميركية، فهذه الاجهزة معروفة بقدراتها الخارقة على حبك المؤامرات الدموية ويستوي في ذلك ـ عندها ـ الداخل الاميركي وخارجه، فالمهم لديها هو تحقيق الاهداف الاستراتيجية والعراق هو أحد هذه الاهداف. وليس من المستبعد ـ أيضاً ـ ان يكون القناص جزءاً من مسلسل اميركي طويل ومثير يشبه تماماً مسلسل الجمرة الخبيثة الذي انطلق داخل اميركا في ذروة العدوان على أفغانستان وانتهى بانتهاء حكم طالبان اميركيا، ورغم مضي عام وأكثر على رعب هذه الجمرة فلا يزال المتهم فيها مجهولاً، فهل يظل القناص هكذا حتى تتمكن ادارة بوش من تحقيق أهدافها في العراق؟...ربما.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات