آخر الكلام ـ يكتبها: مرعي الحليان

الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 انزلق بنا تاكسي محافظة العاصمة وسط البلد، شوارع ضيقة ودكاكين مكتظة مارة وباعة جوالون، زحمة لكنها غير مزعجة، جمع التاكسي وليس بالصدفة خليجياً الذي هو انا ومصرياً ولبنانياً وعراقياً والسائق الذي كان بالطبع اردنيا.. خمسة والسادس كان صوت مذيع احدى المحطات الاذاعية العربية يقرأ نشرة الاخبار. محزنة كلها الاخبار والجميع صامتون يفككون ما بين سطور النبأ الذي يتلوه المذيع، اميركا ستضرب بعرض الحائط الاتفاق الدولي عبر مجلس الامن، وهي بلا شك ماضية الى كارثتها الجديدة في منطقة الخليج، شارون يعربد ويبصم «بالعشرة» انه السفاح الوحيد في العالم الذي يحمل ترخيصا اميركيا غير محدود الصلاحية لقتل الفلسطينيين. هربت من كل الحقائق المرة وحاولت كسر ذلك الصمت، فغنيت بصوتي النشاز.. «الارض بتتكلم عربي.. الارض.. الارض»، فرد المصري معلقا: ارحمنا الله يخليك كفاية القرف اللي في الاذاعة، كان السائق الاردني ينظر لنا من المرآة العاكسة حينما ابتسم قائلا: هيه وقفت عالاخبار بس. حينها كان العراقي اكثر صمتا فينا، فحاولت استثارته: ماذا ستفعلون؟ سنحارب، الحرب مكتوبة علينا هكذا او هكذا، اميركا ابتلعتكم وهاي تريد ابتلاعنا، ولو ضاع العراق وحلت الفوضى ومات من مات من اهلها فلن يتحرك فيكم احد، انتم قبلنا سلمتم الرايات، ويبدو ان اميركا تريد الرايات كلها وها هي تفعل.. عاد السائق الى نظرته تلك، ابتسم وقال: هيه وقفت على العراق بس، الدور جاي على سوريا وايران. قال المصري: ده كلام جرايد، ايه هي لعبة، ولا لعبة؟ العالم مش حيترك اميركا تبرطع في المنطقة على كيفها، فيه مصالح هامة للاجانب مع العرب.. افهموها بقا. شاكست اللبناني الذي كان اكثرنا صمتا: مبروك عليكم تدشين مياه الوزاني.. صدقني نحنا في الخليج فرحنا.. لم يعلق. انتهت نشرة الاخبار وبدأت فقرة الاعلانات، موبايلات، موبيليا، اكبر مشروع سكني سياحي لمن يريد الهدوء والاستجمام، محلات.. تعلن عن وصول تشكيلة احذية رجالي ونسائي وولادي.. اغنية سمجة. هنا ابتسم صاحب التاكسي مرة اخرى وقال: هي وقفت على الحرب، ناس مش لاقيه «توكل» وناس.. خليها على ربك. غنيت وانا انشز اكثر من قبل بعد مرارة في الحلق: الارض بتتكلم عربي.. الارض.. الارض. فعلق المصري مغنيا: كان زمان.. كان زمان. اخيرا نطق اللبناني: «مشكلة العرب انهم فقدوا التفكير.. ايام ما كان فيه فكر وحرية كان العربي مختلفاً، هلق العربي بس بدو كيف يلبس وكيف ياكل وكيف يسهر، فكرك انو السياسيين العرب مش داركين انهم متورطين، داركين وعارفين، يا سيدي هيدي لعبه كبيرة الكل مشارك فيها، سواء كان بالرضا او بالغصب.. التغيير ماراح يجي هلق.. راح ييجي بعد ما تتعلموا وتتطوروا وتتقدموا وما يعود فيه عندكم سجون للسياسيين، ولا مصادرة حريات، ويكون العربي متمتعاً بكامل حقوقه مثل ما بيصير عندن». سألته باللبناني: مين هنه؟ لم يعلق احد حتى اللبناني..هنا توقف التاكسي.. نزلنا. افترقنا..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات