الحملة الاميركية ضد العراق وهاجس الترانسفير الفلسطيني ـ بقلم: د. محمد خالد الأزعر

الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 الترحيل مفهوم أصيل في الرؤية الصهيونية كبديل جذري لمعاملة غير اليهود في «ارض إسرائيل» ويستند هذا المفهوم إلى دعوى أن أرض إسرائيل، أي فلسطين التاريخية وبعض جوارها، حق وراثي لليهود فقط وليس للغرباء، وهم العرب، مكان فيه، على ذلك فإن الحديث الذي يثور ويخبو حول هذا المشهد كتصور محتمل التطبيق في ظروف بعينها له أسس قوية، وأهم من هذا مدعاة لمعالجته على محمل الجد، أنه جرى تنفيذه على نطاق واسع أو ضيق في المناسبات التي رأت فيها القوى الصهيونية المتنفذة إمكانية لذلك. وأن أطرا سياسية تحظى في إسرائيل بشعبية متنامية، بل ولبعضها مشاركة كبيرة في الحقيبتين التشريعية والتنفيذية، مازالت تتطلع إلى «الترانسفير» كخيار نهائي لفض القضية الفلسطينية، بالتخلص من بنيتها السكانية المتمثلة في الوجود الفلسطيني داخل إسرائيل منذ 1948 ( فلسطينيو 48) أو الأراضي المحتلة عام 1967، أحدهما أو كلاهما معا. بيئة مشجعة مؤدى ذلك أن العوامل المحددة لمقاربة هذا الخيار إسرائيليا تتمثل في: ( 1) بعد فلسفي عنصري فكري لا يستهجن «خلع» الآخرين ( الفلسطينيين ) من مواطنهم ويبرر نبذهم إلى مناطق أخرى، ويتخذ من منظوره الخاص جدا لتاريخ فلسطين ومصيرها مبررا كافيا لهذا الإجراء ولا يحفل هذا البعد ( الإيديولوجية الصهيونية في صورتها الأولى ) بأية أعباء إنسانية أو أخلاقية أو حقوقية تترتب على تنفيذ رؤيته. (2) تجربة ذاتية صهيونية إسرائيلية غنية في تطبيقه. كالتهجير القسرى الجماعي لأكثر من 800 ألف فلسطيني عام 1948 وزهاء 200 ألف آخرين عام 1967، وعدة مئات في مناسبات أخرى. آخرها إبعاد 13 ناشطا إلى أوروبا في غمرة قضية فض الحصار عن كنيسة المهد في بيت لحم في الربيع الماضي. (3) سيطرة القوى العاملة على هذا الخيار بصورة فجة على مقاليد صناعة القرار في إسرائيل، وضمور سياسي للقوى المناهضة لها. وهذه حالة ملحوظة في المرحلة الراهنة. إذا أن الحكومة الإسرائيلية موشاه بدعاة ترحيل الفلسطينيين ,ويقف من ورائها مد جارف للتيارات اليهودية الأصولية داخل البلاد، وظهير قوي في الرحاب الدولية الحليفة ،وبالذات في الولايات المتحدة الاميركية المحكومة بنخبة تتحرك على هدى نظريات الأصولية المسيحية اليمينية وقرينتها الصهيونية اليهودية المسيحية المشتركة. (4) بيئة فلسطينية ثائرة في كنف إنتفاضة الأقصى وفعالياتها بما يعزز مقولة التهديد الجذري لوجود الدولة اليهودية، بسبب الإنتشار السكاني الفلسطيني داخل أراضي 1948 والضفة وغزة والقدس غير القابل للتطويع بوسائل الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية، الأمر الذي «يحتم» الإستعانة بوسيلة أكثر حسما وجذرية.. هي الترانسفير. (5) بيئة عربية إقليمية تعتريها خصائص الوهن والإستضعاف، تبدو وكأنها وضعت جانبا أي تعبيرات صدامية مع إسرائيل إذا ما أقدمت على هذا الخيار. بصيغة أخرى فإن الوضع العربي العام لا يطرح على دعاة الترانسفير الفلسطيني مخاطر محددة، عسكرية بخاصة، تنذرهم بسوء المال الإسرائيلي في حال تطبيق دعوتهم. (6) بيئة دولية يتسيدها حلفاء إسرائيل لا تنتظر منها في وضعها الراهن مقاومة صلبة للنزوع لإسرائيلي في اعتصار الشعب الفلسطيني. وربما اعتبرت هذه البيئة أن تهجير الفلسطينيين، والخلاص من صداعهم الدولي افضل من إبادتهم القطاعي على النحو القائم منذ بضعة أعوام، ولاسيما غداة أحداث 11 سبتمبر الأميركية. لعل قراءة هذه المحددات بعيون دعاة الترانسفير تغريهم بقوة إلى التفكير مليا في تنفيذ حلمهم القديم الجديد، ويأمل هؤلاء في أن تكون الحرب الأميركية- التي تريدها واشنطن دولية - ضد العراق مناسبة مثالية لتحقيق هذا الحلم، فهذه الحرب ستكون بالتأكيد مهرجانا صاخبا يشد أنظار العالم بعيدا عن الميدان الإسرائيلي الفلسطيني. وهنا تستطيع الآلة السياسية العسكرية الإسرائيلية الجهنمية إبتداع أجواء مواكبة في هذا الميدان - كعمليات تفجير ضخمة في أهداف إسرائيلية حيوية تنسبها للفلسطينيين، تتلوها حملة جبارة للقتل الجماعي ضد الفلسطينيين وزجرهم جماعيا إلى الحدود المرغوب منهم تخطيها نحو الخارج ( الأردن، جنوب لبنان، سيناء ) إمكانية التمرير على أن هذا السيناريو يبدو تقليديا أكثر من اللازم. إن الترانسفير الذي تهجس به تطورات الأزمة العراقية وتداعياتها يقوم على تطورات أخرى، غير إستغلال حالة الفوضى الإقليمية المحتملة في تهجير فلسطينيي الضفة وغزة والقدس أو فلسطيني 48 إلى هذا المكان أو ذاك. أحد هذه التصورات هو تهيئة العراق، جغرافيا ونظاما وسياسة لإستقبال اللاجئين الفلسطينيين منذ عامي 1948 و1967، جميعهم أو شطر كبير منهم. وذلك على سبيل أحد الحلول النهائية لقضية اللاجئين في إطار التسوية السياسية الفلسطينية. العراق كان مطروحا بهذه الصورة لأكثر من خمسين عاما، فمنذ بداية اللجوء الفلسطيني الكبير عام 1948، كانت هناك مداولات نظرية حول هذا الحل، وعندما شرعت الولايات المتحدة في هندسة التسوية الفلسطينية غداة حرب الخليج الثانية 1991، عادت أوساط صهيونية، يهودية وغير يهودية، للتداول مجددا حول التصور ذاته. وراحت التسريبات تتوالي حول إمكانية إجراء مقايضة مع النظام العراقي، حتى بقيادة صدام حسين، يتم بمقتضاها فك الحصار الدولي عن العراق مقابل التعاطي مع ترحيل جماعات كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين إلى هناك. وبين ما قيل بشأن هذا الأمر أن رفض النظام العراقي لهذه المقايضة مسئول عن تضييق الخناق عليه، ويدخل في أسباب الإستعدادات الجارية لمحاولة الإطاحة به، علّ الولايات المتحدة تستبدله بنظام يقبل المساومة المعروضة، طائعا أو مكرها. وبهذا تحقق واشنطن وتل أبيب أحد أهدافهما الإقليمية، بتصفية اللجوء الفلسطيني إلى حدود بعيدة عن مشارف فلسطين، إلى جانب السيطرة على النفط العراقي وإزاحة العراق كلية من خارطة القوى العربية المرشحة لتهديد إسرائيل إستراتيجيا الآن أو بعد حين. ورغم أن تمرير هذا السيناريو يحقق لإسرائيل بعض أنماط الترانسفير، ألا أن مقاصدها من التحريض على الحملة الأميركية العراقية ترمي إلى أن تتطور الأحداث إقليميا في معمعة هذه الحملة نحو وضع يسمح بتطبيق السيناريو الأسوأ للفلسطينيين والأفضل لها.. وذلك بترحيل عرب 67 أو عرب 48. وهذا الفهم هو الذي يقر في ذهن الكثيرين وعلى رأسهم بعض كبار المسئولين العراقيين. وقد قال طارق عزيز في 11 أكتوبر 2002 بأن الرئيس الأميركي بوش يريد الهيمنة على المنطقة العربية بشكل كامل، والسيطرة على نفط العراق، ومساعدة شارون في مخططه الإجرامي في تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وإقامة إسرائيل الكبرى..» وفي كل حال فإنه إذا أخذت الحكومة الإسرائيلية برؤية دعاة الترانسفير وفهمهم للمحددات المحيطة بمخططهم اللعين على النحو المذكور، فسوف تكون الحالة الفلسطينية في أقرب مكان من أخطار هذه الخطوة، ونحسب أن الشعب الفلسطيني ليس بوارد الإستجابه لهذا المخطط مهما عظمت عليه الضغوط. فالفلسطينيون عرفوا جيدا معنى اللجوء ومرارة هجران الوطن. هناك إذن خطأ مذهل في تقدير إمكانية تمرير الترانسفير فلسطينيا. لكن علامات الإستفهام تظل قائمة فيما يتعلق بموقف الدول العربية التي سوف يطالها هذا المخطط. إن إعلاما صريحا حول التداعيات المحتملة أو رد الفعل العربي المتوقع، إذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ فعلتها الشائنة، هذه يبدو مطلبا ملحا منذ الآن. وكل تأخير في إصدار مثل هذا الاعلان يهدر مبدأ «الدبلوماسية الوقائية»، ويشجع أشرار دعوة الترانسفير على المضي في طريقهم وتهيئة العالم للتعامل مع دعوتهم والقبول بها كأمر واقع. ومن المعلوم للكافة أن إسرائيل خير من يجيد سياسة الأمر الواقع. ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات