حكاية ساو تومي (2 ـ 2) ـ بقلم: محمد الخولي

الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 العلامة العربي الراحل جمال حمدان كان يطلق على الاستعمار البرتغالي وصف الاستعمار العتيق على أساس أن البرتغال ـ ومعهم جيرانهم الأسبان كانوا أول من ارتاد هذه الموجة المقيتة من استغلال الشعوب ـ موجة الاستعمار العتيق. وقد انحسر نفوذ البرتغال في سنوات القرن العشرين عن مستعمرات الأمس ولم يبق من تركة البرتغال في مستعمراتها الافريقية سوى تلك الرابطة التي تصل عادة بين الغالب والمغلوب حسب تعبير ابن خلدون.. طبقات من مواطني افريقيا ممن تلقوا تعليمهم في لشبونة وغيرها من حواضر البرتغال.. تأثيرات في الثقافة والأذواق والفنون تتبدى وتتجلى في هذا الجانب أو ذاك من عواصم المستعمرات (البرتغالية) السابقة (وبالمناسبة فاسم البرتغال مشتق من لفظين في اللاتينية وهما بورتو بمعنى باب وغال وهو الاسم القديم لفرنسا التي كانت تعرف عن الرومان ومن ثم في الكلاسيكيات العربية باسم بلاد غالة ومن ثم فالبرتغال هي باب غالة أو الطريق المقصي الى فرنسا القديمة.. والله أعلم). أنجولا.. الحرب والبترول أنجولا هي أشهر المستعمرات السابقة التي كانت تابعة للبرتغال.. وقد وجد اسمها طريقه الى نشرات الأخبار بسبب الصراعات الدموية التي ظلت تشهدها عبر عقود من الزمن بين حكومتها الشرعية في لواندا وبين قوى المعارضة المسلحة التي تتزعمها حركة اليونيتا ـ الاتحاد العام لاستقلال أنجولا.. وفي مقابل هذه الشهرة التي ذاعت لأنجولا ظلت ساو تومي وبرنسيبي خاملة الذكر منذ أن نالت استقلالها عن لشبونة وأصبحت دولة لها كيان ومقعد وصوت في الأمم المتحدة وكان ذلك عام 1975 هما جزيرتان وادعتان تأويان الى حضن ساحل أفريقيا الغربي المطل على الأطلسي وتجاورهما نيجيريا بكل ضخامتها وعدد سكانها ومكانتها بوصفها قوة اقليمية كبرى في وسط ـ غرب القارة السوداء. ومنذ الاستقلال حكم دولة ساو تومي وبرنسيبي ـ وهي جمهورية ديمقراطية كما تسمي نفسها، ثلاثة من رؤساء الدولة كما يمكن تصنيفهم على أنهم من طبقة المثقفين ـ التجار بمعنى أنهم كانوا يقرأون الصحف من جهة ويتعاطون تجارة الكاكاو أهم محاصيل الدولة الجزرية من جهة أخرى. الرئيس في الأمم المتحدة وما كان لأحد أن يتوقف كثيرا أو قليلا عند هذا الكيان السياسي المحدود الذي تمثله جمهورية ساو تومي بسكانها الذين لا يزيد عددهم على 140 ألفا من الأفارقة على خلاف زيمبابوي حزم المستوطنون البرتغاليون حقائبهم ورحلوا عائدين الى البرتغال.. حملوا عصاهم على كاهلهم ورحلوا بتعبير عبدالناصر الشهير. ما كان لأحد أن يلقي بالا الى ساو تومي إلا عندما استرعى رئيسها (الثالث في ترتيب الرؤساء الذين حكموا منذ الاستقلال) واسمه فراديك دي متريس ـ اهتمام الناس عندما جاء الى نيويورك في سبتمبر الماضي ليشهد افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة ـ في دورتها السابعة والخمسين التي ما زالت معقودة حتى كتابة هذه السطور: كانوا عشرة من رؤساء الدول الافريقية دعاهم الرئيس بوش ـ رئيس الدولة المضيفة للأمم المتحدة الى افطار في فندق والدورف استوريا في قلب مانهاتن.. أبلغهم مسئولو البروتوكول الأميركان أنهم خصصوا لكل رئيس زائر خمس دقائق فقط لا غير لالقاء خطاب أو بالأدق كلمة في المناسبة.. وجلس الرئيس جورج دبليو بوش يصغي.. وفي يده قلم رصاص كان يتسلى به فوق مائدة الافطار: معظم الكلمات كانت بالفرنسية التي لا يعرفها الرئيس الأميركي وفي سياقها كان بوش يدق في ضجر ظاهر بالقلم فوق الطاولة وحين قام فراديك رئيس ساو تومي لكلمته فوجئ الحاضرون بأن خطابه يلقى بلغة انجليزية فصيحة.. بليغة ورصينة هنالك اعتدل بوش في جلسته وتوقف قلم الرصاص عن الايقاع.. فلم يكن الأمر يتعدى خطابا بالانجليزية بل تجاوز الأمر الى حديث له أهميته بالقطع عن.. مصالح مشتركة.. بين الولايات المتحدة و.. ساو تومي ـ برنسيبي التي كان القوم يحسبونها غافية في مياه المحيط. قال رئيس الجمهورية القادم من غرب افريقيا: ـ قبل وقت طويل من وقع أحداث 11 سبتمبر المأساوية كانت قضية أمن الطاقة أمراً يشغل بال العالم. بعدها تحدث رئيس ساو تومي عن أهمية التماس ما وصفه بالحرف بأنه مصادر بديلة للبترول خارج منطقة الشرق الأوسط بكل تقلباتها السياسية الشديدة.. هذا في حين أن ساو تومي واقعة من الناحية الاستراتيجية (نص كلامه) في أهم منطقة بترولية في عالم اليوم.. وانتقل فراديك الساو تومي كما قد تصفه الى الحديث عن منطقة المياه العميقة التي يطل عليها الساحل الغربي لأفريقيا في خليج غينيا مؤكدا على أهميتها الاستراتيجية من الناحية النفطية بل ومستشهدا في هذا السياق بالذات بتقرير سياسات الطاقة الذي تم اعداده تحت اشراف ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي الذي وصف منطقة خليج غينيا حيث تقع ساو تومي وبرنسيبني بعبارة خطيرة تقول: ـ إنها أسرع المصادر نموا من حيث النفط والغاز (الطبيعي) بالنسبة للسوق الأميركية. البحث عن مصادر بديلة في هذا المضمار يقول الكاتب الأميركي جون لي أندرسون عن أحد كبار الخبراء في وزارة الخارجية الأميركية آراء مفادها أن واشنطن تبغي أن تلتمس مصادر أخرى أو مصادر جديدة أو مصادر اضافية أو مصادر بديلة.. سيان للحصول على احتياجاتها الحيوية من النفط والغاز حتى لا يخف في رأي هذا النوع من الخبراء الأميركان اعتماد أميركا على مصادر النفط في منطقة الشرق الأوسط. ويضيف الكاتب جون لي أندرسون (مجلة دي نيويوركر، عدد 10 يوليو 2002 قائلا: ـ ساو تومي تحتكم في حقيقة الأمر على احتياطيات قد تبلغ نحو 4 مليارات برميل من النفط الخام.. وحتى لو استخدمنا تقديرا متحفظا لسعر البرميل، وليكن مثلا 21 دولارا، لوجدنا أن ثمة مصالح مشتركة تربط بين ساو تومي وبين الولايات المتحدة. جدول الواردات الأميركية المعروف أن أميركا تستورد نحو نصف بترولها من خارج حدودها.. وثمة ترتيب تقليدي يضع كندا في خانة مصدر البترول رقم واحد لسد احتياجات السوق الأميركية أما البلد رقم 2 فهو المملكة العربية السعودية وتليها فنزويلا فيما تحتل المكسيك الخانة الرابعة ثم تأتي نيجيريا في ذيل القائمة. ولما كان البترول ـ كما لا يخفى على بديهتك سلعة سوبر ـ استراتيجية بمعنى أنها تتأثر بتقلبات العوامل الجيوبوليتيكية، فقد كان طبيعيا أن تتحالف السياسة والتجارة وأن تتشابك أفكار السياسيين والنفطيين في واشنطن في التماس المصادر الجديدة بعامة وفي توجيه الأنظار الى حكاية ساوتومي بخاصة بوصفها رقم جديد أو نمرة رابحة في بورصة النفط والغاز. منافسة الشرق الأوسط ومرة أخرى يعترف خبير الخارجية الأميركية الذي ألمحنا اليه ان بترول أفريقيا المرتقب يمكن أن يكون التعامل معه في التنقيب والاستخراج وفي الشحن والنقل ـ أمرا أيسر مما هو عليه الحال بالنسبة لبترول الشرق الأوسط.. يقول الخبير الأميركاني: أن بترول أفريقيا يوجد معظمه في الأغوار العميقة بالمواقع البحرية ومن ثم فأهل تلك البلاد (الأفارقة) لن يلحظوا فيما يتم الحصول عليه وأخذه الى بعيد هذا في حين أن بترول الشرق الأوسط يتم استخراجه من باطن الأرض أي تحت سمع وبصر الأصوليين.. وعليه فها نحن ـ يضيف المسئول الأميركي ـ بآراء ساو تومي التي تعد الدولة الديمقراطية الوحيدة التي تنعم بالاستقرار في غرب افريقيا.. الأمور إذن تمام التمام. بروني.. الأخرى تؤكد الدراسة التي نشرها الكاتب جون لي أندرسون (المصدر السابق) أن دلتا نهر النيجر التي تقع ساو تومي عند مداخلها أتاحت بفضل تربتها الرسوبية وجود تجمعات نفطية غاية في الثراء حيث تشير الدراسات السيزمية المخصصة بوجود عدة مستودعات لا يستهان بها من الخام النفطي واقعة تحت قاع المحيط عند أعماق بعيدة.. والمعروف في قاموس أهل الصفقة أن عبارة لا يستهان بها تعني وجود مليار برميل على الأقل على نحو ما أكده في الدراسة التي نشير اليها خبير نفطي استشاري اسمه ويليام برمبو معترفا بأن عملية الاستخراج من تلك الأعماق ليست أمرا سهلا وإن كانت التكنولوجيا المختصة في هذا المجال قد أحرزت في رأيه تقدما لا يستهان به ـ وبدوره ـ في الآونة الأخيرة، ومؤكدا من جانبه أن ساو تومي في طريقها في مستقبل قريب وربما عاجل الى أن تصبح بلدا صغيرا واسع الثراء.. ويوافقه على ذلك مسئول آخر في ادارة الرئيس بوش حين قال: ـ أن ساو تومي تملك الامكانات التي تجعل منها بروني ـ دار السلام الأخرى ـ سكانها نحو 140 ألف نسمة وتقسيم بلايين الدولارات بينهم من عوائد النفط المرتقبة سيكون بمثابة نعمة سابغة بغير شك شريطة أن يقدروها حق قدرها وأن يبعدوا عنهم طغمة الأشرار والفاسدين.. وبهذا تصبح ساوتومي أول نموذج من نوعه في أفريقيا.. وإلا.. انتهى بها الأمر لتكون أنجولا رقم 2. والحق أن أنجولا تشكل مثلا مرعبا على الهوة السحيقة التي تفصل بين الامكانية وبين واقع الحال.. بلد غني بالنفط.. وبموارد أخرى.. ظلت موارده البترولية على مدار عقود مضت من الزمن يتم استغلالها على يد شركات أجنبية عديدة على رأسها شركة شيفرون.. لكن دون اشراف من حكومتها ولا رقابة على ما يجري أو متابعة من الطرف الوطني الافريقي.. والمشكلة أن العوائد الضخمة لا تصب في شرايين اقتصاد البلاد ولا أفادت منها جموع الشعب الأسود التي ترشف في الفقر والحرمان بل انتهى بها المطاف الى بنوك الخارج ولدرجة دعت خبيرا نفطيا اسمه جيفن هايمان ويرأس مركزا عالميا لبحوث البيئة الى أن يطرح مجموعة تساؤلات تقول: ـ حكومة أنجولا تحصل على ما بين ثلاثة الى خمسة مليارات دولار من عوائد نفط البلاد سنويا.. فلماذا لا تستطيع اطعام شعبها وايواءه وتعليمه؟ سرقة 4 مليارات دولار ربما تكمن الاجابة جزء منها على الأقل في واقع التحالفات المقيتة المشبوهة التي تشير اليها الدراسة التي نحن بصددها.. ومنها مثلا ما حدث في نيجيريا بكل غنى مواردها النفطية وغير النفطية وبكل موقعها القيادي في وسط وغرب القارة. إن الكاتب جون لي أندرسون يشير مثلا الى شركة (كروم انيرجي) للطاقة في نيجيريا ويوضح أن صاحبها هو السيز إميكا أوفور وهو رجل أعمال كان وثيق الصلة بديكتاتور حكم نيجيريا في الفترة من 1993 الى 1998 وهو سامي أباشا ويقول ان هذا الديكتاتور استطاع خلال تلك السنوات الخمس أن ينزح لحسابه مبلغا يقدر بنحو 4 مليارات من الدولارات من ثروة البلاد. ساو تومي ديرنسبي إذن هي الورقة التي تلوح بها واشنطن بوجود موارد النفط في الشرق الأوسط ـ عربية وغير عربية ـ كان الكاتب جون لي أندرسون قد زارها والتقى بأولي الأمر فيها واجتمع أيضا مع وكلاء اعمالهم في لشبونة (الرئيس الحالي مثلا يمتلك عدة مطاعم ونواد ليلية (!) في البرتغال) وعندما عاد الى واشنطن كان طبيعيا أن يتواصل مع أركان بحوث ودراسات وتنبؤات صناعة الطاقة في العاصمة الأميركية. في هذا الخصوص يحدثنا الكاتب لي أندرسون عن ندوة مهمة نظمت عقدها مجموعة بحثية معنية بالسياسات النفطية في أفريقيا وقصدت الندوة الى مناقشة بدائل لإمدادات النفط العربية ودارت وقائع وفعاليات الندوة في معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة ومكانة مدينة القدس(!). وأسفرت الندوة إياها عن صدور كتاب أبيض شملت توصية محددة مرفوعة الى ادارة الرئيس الأميركي بوش تحثها على أن تعلن خليج غينيا منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة وتشجعها كذلك على أن تنشئ على أرض جزيرة ساو تومي قيادة (عسكرية) اقليمية مماثلة لقيادة القوات الأميركية في كوريا. في هذا السياق المهم يحيل كاتبنا الأميركي الى أحد مؤسسي المجموعة البحثية المذكورة المعنية بقضايا النفط واسمه مايكل وهبي (هل هو اسرائيلي؟) وقد قابل السيد وهبي هذا الرئيس النيجيري اوبا سانجو وكان محور حديث الاثنين كما يلي على نحو ما يقول الكاتب الأميركي: ـ في اجتماعاتنا كان التركيز على أنه بعد 11 سبتمبر ينبغي أن يحل خليج غينيا محل منطقة الخليج في الشرق الأوسط. ويقول باري شوتز وهو بدوره محلل لسياسة واقتصاديات البترول: ـ إن البلدان الأفريقية (يقصد أنجولا ونيجيريا وطبعا ساو تومي) لا تثير المشاكل التي تحفل بها منطقة الشرق الأوسط. الكرة في ملعب واشنطن ومثل هؤلاء المحللين يرددون الآن القول بأن الكرة أصبحت في ملعب واشنطن، وبالذات في مربع البيت الرئاسي الأبيض. ولم يكن صدفة إذن أن يتاح لرئيس ساو تومي فراديك قضاء أسبوع بأكمله في ربوع أميركا وأصقاعها بعد الافطار الشهير مع الرئيس بوش: هنالك زار فخامته تكساس حيث التقى مع بارونات صناعة البترول ثم العاصمة واشنطن حيث اجتمع الى مديري البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.. فضلا عن زيارة قام بها الى البيت الأبيض والبنتاجون حيث اجتمع الى أركان الادارة الحاكمة وفي مقدمتهم كانت السيدة كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي وبعدها تم الاتفاق على أن تستقبل ساو تومي زيارة يقوم بها والتر كانشتاينر مساعد وزير الخارجية لشئون أفريقيا.. وموعد الزيارة هو الأيام الراهنة من شهر أكتوبر الحالي.. وربما تتم تحت شعار أصبح يعرفه رئيس ساو تومي وهو: نحن بلد صغير يريد الحماية لأننا سنكون قطبا.. يجذب اليه الآخرون. ـ كاتب سياسي من مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات