عندما تصبح اسرائيل المشرّع الدستوري لأميركا ـ بقلم: رياض ابو ملحم

الاربعاء 17 شعبان 1423 هـ الموافق 23 أكتوبر 2002 برغم ان معظم التطورات السياسية التي تشهدها الساحة الدولية منذ بعض الوقت ترتبط بأحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001)، في شكل او آخر، لكن ما ينبغي تسجيله، اضافة الى ذلك، هو ان المؤسسات الدستورية في الولايات المتحدة باتت تتعامل مع النزاعات الاقليمية، وحتى تلك البعيدة كثيراً عن اميركا باعتبارها شأناً اميركياً داخلياً، وان لها كامل الحق والحرية في مناقشتها واتخاذ قرارات محددة في شأنها. ولعل الدول العربية، في شكل خاص، باتت اكثر من يحظى بهذه المعاملة الالحاقية من الولايات المتحدة واذا كانت حالة العجز التي تعانيها هذه الدول تشجع الولايات المتحدة على التمادي في فرض مطالبها وشروطها عليها، حتى قبل اعتداءات 11 سبتمبر وملابساتها المعقدة الا ان الاسلوب الذي تمارسه واشنطن الآن يتجاوز كل ما تسمح به العلاقات الطبيعية بين الدول. ومع ان الولايات المتحدة بدت شديدة الرغبة في التوسع والهيمنة، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط نظام القطبين، لفرض سياسات احادية هدفها ضمان المصالح الاميركية في مختلف انحاء العالم ـ مباشرة او تحت شعار العولمة في بعض الحالات ـ لكن المصلحة الاسرائيلية كانت بارزة دائماً في كل التحركات والنشاطات المتصلة بمنطقة الشرق الاوسط وحتى بالنسبة للمناطق البعيدة عن المحور الرئيسي للصراع العربي ـ الاسرائيلي، كالقرن الافريقي على سبيل المثال. وامامنا الآن نماذج عديدة تبين المدى البعيد الذي بلغه التدخل الاميركي في الشئون الداخلية لدول المنطقة تحت تأثير نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة. أول النماذج وأبرزها ان تصويت الكونغرس الاميركي بمجلسيه: النواب والشيوخ، على قرار يعتبر مدينة القدس عاصمة لاسرائيل، هو احد هذه النماذج ومع ان الرئيس جورج بوش حاول التبرؤ منه، بالقول انه يشكل قيداً على حرية حركته السياسية والدبلوماسية، لكن القرار اقترن بتوقيعه فعلياً، بحيث بات قراراً قانونياً من الناحية الدستورية والرسمية، اما تنفيذه فيمكن ان يتأجل الى وقت لاحق. والقرار يعد سابقة خطيرة في الممارسات الدولية، حيث تقرر مؤسسة دستورية في دولة ما، شأناً داخلياً في دولة اخرى وفوق ذلك، فإن القضية تصبح اكثر خطورة لانها تتعلق بنزاع بين دولتين، او طرفين فكيف تستطيع دولة ما، حتى ولو كانت الولايات المتحدة، اتخاذ قرار كهذا، مناقض لقرار في الموضوع ذاته سبق لمجلس الأمن الدولي ان اصدره ضمن جهوده العامة لمعالجة الصراع القائم بين الطرفين المعنيين والمقصود بذلك القرار 242 وكل القرارات الاخرى المتصلة بالنزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. ان مصير القدس يشكل احدى قضايا الوضع النهائي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، فضلاً عن الاهمية الخاصة للمدينة المقدسة بالنسبة للعالمين الاسلامي والمسيحي. واذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ان تحسم هذه المسألة، في الاتجاه الذي تريده، فهذا يعني انها تستطيع ان تعطي لنفسها الحق في بت كل الجوانب الاخرى للصراع من دون ان تأخذ بعين الاعتبار، لا ارادة الطرف الآخر المتضرر، ولا خصوصاً قرارات الامم المتحدة ذات الصلة، سواء ما سبق اتخاذه منها، او ما يمكن ان تتخذه المنظمة الدولية في اطار الدور الذي لعبه لانهاء النزاع، بدلاً من اضافة عنصر جديد اليه. .. ومشروع «محاسبة سورية» كما ان نجاح اللوبي اليهودي في تمرير قرار تكريس القدس عاصمة لاسرائيل عبر الكونغرس الاميركي، سيشجعه على مواصلة ضغوطه لتمرير المشروع الآخر الذي اعده بعض انصاره بمحاسبة سوريا وفرض عقوبات عليها فمضمون المشروع المذكور يكشف بوضوح ان الدولة العبرية تقف خلفه، اذ يتضمن نصاً محدداً يقول بالحرف «ان التهديدات التي تتعرض لها اسرائيل لا تصدر عن الفلسطينيين فقط فسوريا تحتفظ بآلاف الجنود عند الحدود الشمالية لاسرائيل، وتؤوي الكثير من المنظمات الارهابية وتدعمها، وتسيطر على لبنان بواسطة جيش قوامه 25 ألف جندي فهي عامل تأزيم جدي للوضع في المنطقة». ولا يحرج معد المشروع إليوت انفل، عضو مجلس النواب في الكونغرس عن ولاية نيويورك، ان يقدم نفسه على انه الصديق الوفي لاسرائيل، والداعي دائماً لدعمها والوقوف الى جانبها وذلك بغض النظر عما قيل عن علاقة اطراف لبنانية بالتحريض على اقرار المشروع. وهكذا يظهر المشروع اسرائيل وكأنها الطرف المعتدى عليه، وضحية التهديد الفلسطيني والسوري، وهذه الصورة المعاكسة للواقع تماماً، تشكل انحرافاً خطيراً للسياسة الاميركية حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي، على الرغم من التأييد الاميركي التقليدي للدولة العبرية واذا ما جرى اعتماد هذا التوجه الاستفزازي من دون اي حرج كما تشير الوقائع الراهنة، فمعنى ذلك اننا سنشهد تطورات خطيرة في المنطقة ستكون الولايات المتحدة طرفاً رئيسياً فيها الى جانب اسرائيل، او حتى بديلاً عنها، في مواجهة الشعب الفلسطيني والدول العربية الاخرى المعتدى عليها. ان الدعم الاميركي لاسرائيل ليس امراً جديداً، بل هو من الحقائق البارزة في صراع نصف القرن الماضي ومع ذلك يمكن القول ان تطور العلاقة الاميركية ـ الاسرائيلية الى حد ان تصبح الدولة العبرية طرفاً في عملية التشريع ضمن المؤسسات الدستورية الاميركية، يعتبر امراً خطيراً جداً، لانه سيكون من الصعب التمييز بعد ذلك بين مقتضيات الامن الاميركي والمصلحة الاميركية ومثيلتها الاسرائيلية، بما يجعل الاثنتين حالة واحدة وينبغي التعامل معها على هذا الاساس. .. ومعاقبة السودان هذا ما يمكن ان يقال ايضاً في صدد القرار الذي تبناه الكونغرس الاميركي، في النصف الاول من اكتوبر الجاري، وطالب فيه البيت الابيض بفرض عقوبات على السودان اذا تأخرت حكومته في استئناف مفاوضات السلام مع حركة التمرد في الجنوب ويتهم نواب اميركيون الحكومة السودانية باعتماد سياسة تطهير اثني «على نطاق محدود، وكذلك الضلوع في ارتكاب جرائم حرب ويطالب هؤلاء النواب بمحاكمة المسئولين عن تنفيذ هذه الجرائم». ويتضمن قرار الكونغرس الاميركي نصوصاً تطالب الرئيس بوش بخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع السودان او حتى تعليقها، واصدار اوامر الى المسئولين الاميركيين في المؤسسات المالية الدولية بمعارضة منح اي قرض او كفالة للحكومة السودانية كما يدعو احد النصوص الرئيس الاميركي الى اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع الخرطوم من الوصول الى عائداتها النفطية وتشجيع مجلس الامن على فرض حظر على تصدير الاسلحة الى السودان. وبعد ذلك يتضمن قرار الكونغرس الاميركي بنداً ينص على منح المعارضة السودانية مبلغ 300 مليون دولار (يقدم على ثلاث دفعات) لتمكينها من مواصلة نشاطاتها ضد الحكم السوداني. ومن المفارقات الغريبة ان الكونغرس اتخذ قراره في الوقت الذي كان «الجيش الشعبي لتحرير السودان» (حركة التمرد) يشن هجمات واسعة في عدة مناطق في السودان (في الجنوب والشرق) ويحتل مدناً رئيسية، وفي الوقت الذي كانت اريتريا تدعم هجوماً عسكرياً للمعارضة السودانية عبر المناطق المحاذية لحدودها (في شرق السودان) وهو ما يعني وجود تنسيق بين الداخل والخارج لحمل الحكومة السودانية على تنفيذ الشروط التي تطرح على طاولة المفاوضات في مشاكوس (كينيا) وهي شروط اميركية في معظمها وان تكن حركة العقيد جون قرنق تتولى الاعلان عنها. قد تكون الاصابع الاسرائيلية غير ظاهرة في هذه الضغوط لكن الكثير من المصادر تشير الى الدعم العسكري السري الذي يقدمه الاسرائيليون الى القوات الاريترية من جهة والى «الجيش الشعبي لتحرير السودان» من جهة اخرى، فضلاً عن نشاطات اجهزة المخابرات الاسرائيلية في منطقة القرن الافريقي والبحر الاحمر، ما يجعل اسرائيل احد اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. ان هذه التدخلات الفجة تذكر بمحاولات مماثلة تعرضت لها مصر من مؤسسات اميركية مختلفة مرة فيما يتعلق بقضايا الاقباط، ومرة اخرى فيما يتصل بموضوع سعد الدين ابراهيم بعد الحكم القضائي الذي صدر ضده وقضى بحبسه سبع سنوات وقد هددت الادارة الاميركية اخيراً بقطع المساعدات المالية عن الحكومة المصرية اذا لم تتدخل لالغاء الحكم الصادر على سعد الدين ابراهيم، الا ان الاخيرة رفضت الخضوع لهذه الضغوط واعادت التأكيد على استقلال القضاء المصري وتمتعه بحصانة كاملة. لا حدود.. ولا ضوابط ان هذه النماذج الدالة تؤكد امرين: الاول، ان التدخل الاميركي في الشئون الداخلية للدول الاخرى لم تعدله حدود يقف عندها ومع ان هذا السلوك كان قائماً قبل 11 سبتمبر (2001) لكنه بات بعد هذا التاريخ بدون اية ضوابط سياسية او دبلوماسية او حتى اخلاقية. والامر الثاني، ان تأثير النفوذ الاسرائيلي تضاعف داخل المؤسسات الاميركية، سواء عبر مجموعة الذئاب اليمينية في البيت الابيض، او من خلال اللوبي اليهودي الذي زاد من حركته الضاغطة في الآونة الاخيرة مستغلاً الظروف الناشئة عن الاعتداءات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن. ومن الواضح ان الآثار المدمرة لهذه الاندفاعة المفرطة في عدائيتها، والتي تكاد تبلغ ذروتها بالغزو الاميركي المتوقع للعراق، لا تصيب العلاقات الاميركية ـ العربية فقط، وانما هي تستهدفها في صورة خاصة حتى من دون وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر. والجهد الاسرائيلي بارز في كل ذلك دائماً. ـ كاتب لبناني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات